Loading

لعنة الفراعنة تحقيق استقصائي يوثق الإصابات الخطرة للعاملين بصناعة التماثيل المقلدة

تحقيق: نور المهدي - تصوير:إيناس سعيد

هذا التحقيق تم بدعم وإشراف شبكة «أريج» للتحقيقات الاستقصائية

لم يكن عيسى محمد سيد يدرك أن مهنته كعامل تماثيل تذكارية مقلدة، منذ الصبا، ستكون سببا في إصابته بعجز جزئي، نتيجة تعرض قدمه لحروق وتشوه لا علاج له سوى البتر، بحسب تشخيص أطباء مستشفى إمبابة العام، غير أن «عيسى»، البالغ من العمر 42 عاما، يرفض قرار البتر، علّه يتمكن من مواصلة عمله من أجل الإنفاق على نجليه وزوجته

يعمل «عيسى» في ورشة صغيرة غير مرخصة ضمن منطقة سكنية عشوائية بإمبابة في محافظة القاهرة، مذ كان في العاشرة من عمره. بالقرب من مسجد «فلفل» تتراص مجموعة ورش لتصنيع تماثيل تذكارية مقلّدة، تباع للسياح الراغبين في اقتناء ما يذكرهم بحضارة مصر وتاريخها. تأخذ التماثيل أشكالا فرعونية مثل رؤوس الملوك وكذلك القطط الفرعونية وملكات مصر. هنا، تصنع أيضا تحف صغيرة يشتريها السياح دون أن يعلموا بظروف العمل في ورش الانتاج، خصوصا استخدام مادة «البولي إستر» الكيميائية السائلة

في مارس 2015، فتح أحد زملاء عيسى برميل «بولي إستر» مباشرة، قبل أن تركد المادة التفاعلية داخله، وعلى الفور انسابت المادة الحارقة على قدم «عيسى» اليمنى بأكملها، ما تسبب في التهاب الجلد وتضخّم حجم القدم. اليوم، يؤكد أطباء بمستشفى إمبابة العام لـ«عيسى» أن الحل الوحيد يكمن في بتر قدمه، لأنها تعد جزءا «ميتا» متصلا بجسده. ولكن «عيسى» يرفض قائلا: «أنا مش هقطع رجلي لحد ما اموت، حتى لو جالي تسمم في جسمي كله، برضه هموت وأنا بشتغل .. العيشة نار وأصرف على ولادي منين لو قطعتها»

عيسى واحد من بين آلاف العمّال ممن يكدحون طلبا للرزق في بيئة عمل غير آمنة. فحال «عيسى» يقودنا لإثبات أن عمال ورشات تماثيل تذكارية غير مرخصّة يعملون في بيئة عمل خطرة ويستخدمون مواد كيميائية حارقة، ويتعرضون بسببها لإصابات خطرة منها تشوهات وحروق جلدية. يحدث ذلك في غياب رقابة وزارة القوى العاملة «وغيرها أيضا»، وقصور في قانون العمل يحول دون شمول العمالة غير المنتظمة ضمن مظلة التأمينات الصحية والاجتماعية. إذ وثّقت معدّة التحقيق إصابات ثمانية عمّال في ورش تصنيع تماثيل تذكارية مقلدة، على فترات متباعدة بمنطقتي إمبابة والحسين بالقاهرة، على مدار أربعة أشهر، وتم توثيق معاناة عمّال صناعة التحف الفرعونية. إذ تعتمد هذه الحرفة في صناعتها على قوالب سيليكون مرنة تأخذ الشكل المطلوب بعد أن تصبّ داخله مادة «البولي إستر»

قدم عيسى بعد اصابته

ولم تنجح المحاولات المتكررة في الوصول إلى أية إحصاءات رسمية حول عدد الورش، ذلك لأنها غير مرخصة لدى أي جهة حكومية أو خاصة. لكن يقدّر عاملون في المهنة انتشار نحو ألفي ورشة في محافظات مصر، تشغّل قرابة 3000 شخص؛ بخاصة في الجيزة، وشرم الشيخ، والغردقة، وبني سويف وكذلك في الأقصر وأسوان إذ تم توثيق 60 ورشة غير مرخصة مناصفة بين منطقتي إمبابة المكتظة بالسكان ـ 100 ألف نسمة شم محافظة الجيزة ـ والحسين بالقاهرة، اللتين تشتهران بورش صناعة التحف المقلدة. يعمل في هذه الورش ما يزيد عن 120 عاملا، من بينهم أطفال، بمعدل اثنين لكل منها

وتتراوح أجورهم وفقا لما تم رصده، بين 450 إلى 1000 جنيه شهريا، من 26 إلى 58 دولارا، في بلد يبلغ متوسط دخل الفرد فيه 1200 جنيه 68 دولارا في مصر تندرج هذه الورش تحت بند العمالة غير المنتظمة، والتي تقدر بــ 14 مليون عامل، بحسب أحدث تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ووزارة القوى العاملة الصادر في مايو 2017. هذا الجهاز لا يوثق إصابات العمالة غير المنتظمة. وآخر تقرير له حصر عدد إصابات العمال في القطاعين الخاص والعام بـ ١٥ ألفا و١١٩ إصابة سنويا، وهو ما يعادل ٥٠ حالة يوميا

وائل سيد، 39 عاما، هو الآخر يعمل في ورشة تماثيل تذكارية بإمبابة، ويعاني عتامةً في عينه اليسرى جرّاء احتكاكها بـ«مبرد» يستخدم في نحت التماثيل، أحدث انفجارا في القرنية فانفصلت عن الشبكية، بحسب التقارير الطبية. يقول «سيد»: «دخت على الدكاترة في كل المستشفيات ومفيش فايدة، كله يؤكد لي أن عتامة عيني هي مصيري، إني مش هشوف بيها تاني .. لكن الحمد لله التانية موجودة .. هأكل ولادي منين ده أنا مستحمل بالعافية»

ذات العامل «سيد» أصيب أيضا بحروق في يديه بسبب استخدامه مادة «البولي إستر»، التي تسبب له عند جفافها جروحا وتشوهات جلدية. وإن لم يتم تطهيرها سريعا قد تحدث مضاعفات خطيرة وآلاما في حال تلوث الجرح

نقابة الحرف التراثية: يواجهون غازات سامة.. والعمال: التراخيص مستحيلة

أما أشرف السيد، الأمين العام لنقابة الحرف التراثية، فيؤكد من جانبه، أنه يوجد أنواع من مادة «البولي إستر» محرمة دوليًا، لوجود مواد سامة، إلا أن الموجود في السوق المصري مرخص ومصرح به، رغم أنه يخرج مواد سامة وغازات ضارة لابد من وجود كمامة وقفاز عند التعامل معها ولابد من وجود تهوية جيدة، لكن تلك العوامل لا تتوافر في الورش غير المرخصة في مصر، ما يعرض العاملين فيها لأمراض صدرية لعدم الالتزام بتلك الاشتراطات الخاصة بالاستخدام وذلك لاحتياجهم لرأس مال مرتفع شراء تلك المستلزمات

عم عيسى

في المقابل، يؤكد العاملون بالورش أن الحصول على التراخيص أمر صعب للغاية، بل ويقترب من الاستحالة، بسبب تواجدها في منطقة سكنية، ما يعني أن الحماية المدنية لن تمنح العمال تصريحا، تماشيا مع الشروط الواجب توافرها. يتفق مالك ورشة في إمبابة، جابر محمد، مع ما قاله العاملون، ويؤكد أن نظراءه يفشلون في ترخيص ورشاتهم لأنهم في مناطق سكنية، ولدى سؤاله عن معرفته بشروط استخدام المادة أكد أنه لم يعتد أن يمسك بقفاز أو يضع كمامة على وجهه فقد توارث هذه المهنة كما هي أبا عن جد

العامل سيد محمد، الثلاثيني، يقول: «محدّش من ملاك الورش عايز يأمن لا طبي ولا اجتماعي أي مليم ولادهم أولى بيه».

عضو المجلس الاستشاري بالاتحاد العام لنقابات عمال مصر الديمقراطي، تأسس 1958، طلال شكر، يدعو العاملين بهذا القطاع إلى إنشاء نقابة خاصة بصناعة التماثيل، من أجل تمثيلهم بالدولة، وحتى لا تهدر حقوقهم. ولكي يتمكن أصحاب العمل أيضا من تسجيل ورشاتهم بوزارة القوى العاملة وترخيصها ليتمكنوا من تأمين العاملين فيها طبيًا واجتماعيًا، ويناشد أحد أقدم العاملين في حرفة صناعة التماثيل أحمد محمد حسني، وزارة السياحة والآثار والقوى العاملة وكذلك التنمية المحلية، بالاهتمام بهذه المهنة وتطويرها للنهوض بظروف العامل المصري الذي أصبح يحارب وحده في الأسواق أمام غزو منتجات مستوردة

المهندس أشرف السيد، الأمين العام لنقابة الحرف التراثية، التي تم تأسيسها في أبريل 2011، يقول إن هذه الحرفة التراثية تعاني عدم اهتمام الدولة بالعاملين فيها أو تشجيعهم ويعانون أيضًا من صعوبة استخراج التراخيص قائلًا: «ساعات بيخسرو وساعات بيكسبوا المكسب حتى بيبقى بسيط ميتحملش ضرائب وتأمينات وده سبب تهربها منهم»، مؤكدًا أن معظم الورش هي مشروع صغير رأس ماله يتراوح ما بين 20 ألف جنية «1100 دولار»، وحتى 50 ألف جنية «2800 دولار» بحد أقصى «مالك الورشة نفسه مش مأمن على نفسه، إزاي يأمن على العمال.. ده يادوب بيكفوا حالهم من المكسب

وأضاف «السيد» أن عدد الورشات في محافظة الجيزة حوالي 60 ورشة، 5 فقط منها مرخصة، أما البقية غير مرخصة، ومعظمها تنخرط في فكرة «لقمة العيش» حتى أن النقابة تحاول دعم العمال من خلال عمل معارض لهم وكذلك ندوات وورش توعية لكن نسبة الحضور بسيطة

ويقدّر طارق السيد، نقيب الحرفيين، عدد العاملين في الحرف التي تعتمد على مادة «البولي إستر» بنحو في مصر 100 ألف عامل منهم 20% فقط نسبة المقنين منهم أما البقية فهم غير مرخصين، مؤكدًا أنه من الشروط الصعبة والقاسية التي تحول دون حصول العاملين عن التأمين والترخيص أن يكون مالك المنشأة لديه ثلاث أفراد على الأقل للحصول على ترخيص العمل وهذا ما لا يحدث فغالبًأ، وكذلك صعوبة الحصول على ترخيص في مناطق سكنية عشوائية

نقيب الحرفيين ذاته والذي يمتلك ورشة صناعة تماثيل في منطقة بشتيل مرخصة، يطالب مرارًا وتكرارًا الجهات المعنية مثل القوى العاملة تسهيل إجراءات الترخيص دون جدوى

يستكمل نقيب الحرفيين حديثه ويقول إنه مذ عمل في هذه المهنة أصيب بـ "الجيوب الأنفية" ونصحه أطباء بترك المهنة والابتعاد عن رائحة مادة البولي استر التي حذره في حال استمر بالعمل فيها سيصاب بالربو، ويتابع قائلاً "افتكرت زمايلي اللي شغالين معايا ومصابين بالربو و حساسية صدرية بسبب المادة ومش قادرين يقعدوا .. أصل هيصرفوا على بيوتهم منين؟"

يذكر أن مادة «البولي إستر» تستخدم من قبل العمال وتصيبهم بأمراض جلدية، وهي مادة حارقة تتكون من سائل «البوليستر»، تخلط مع بودرة نوع من الإسبيداج أو التلك أو الجبس، بالإضافة إلى بروكسيد ويضاف 3% من نسبه البوليستر، عندما يكون البوليستر 100%، بجانب الكوبلت، وأيضًا هذه المادة غير ضارة بحالتها الصلبة وغير محرمة، ولكن يجب الحرص في أثناء استخدامها واتباع أساليب الصحة المهنية بحسب دراسة كلية العلوم جامعة بني سويف لما لها من أضرار خطيرة على الجلد والجهاز التنفسي

محاولة «مرهقة» للحصول على ترخيص.. والوزارة: الدولة لا ترى الورش غير المرخصة

حاولت معدة التحقيق الحصول على ترخيص ورشة صناعة تحف بإمبابة. وقصدت حي شمال الجيزة لإصدار ترخيص لورشة قائمة، ولدى دخولها لقسم التراخيص طلب منها الموظف المختص ملء نموذج استمارة، استكمال باقي إجراءات الموافقات من الحماية المدنية والموقف المالي والعقاري من الشؤون العقارية من جهاز الحماية المدنية وموقف شبكات المياه «في حالة وجود عداد مياه

ولدى سؤال عاملين في ورش قابلتهم معدة التحقيق أوضحوا أنهم لا يستطيعون استخراجها بسبب تواجدهم في منطقة سكنية وهو ما يتعارض مع مسألة الحصول على موافقات الحماية المدنية التي تشترط وجودها خارج الأحياء السكنية

البائع في بازار للتماثيل التذكارية أحمد عادل، يقول إن القطع المصرية تحتاج أحياناً للتطوير، لأن بعض السياح لديه يجدون أخطاء وعيوب تصنيعية لبساطة طريقة صنعها بالتالي يبتعدون عن شرائها، والبعض الآخر يفضلونها حتى بطريقة صنعها البسيطة، مؤكدًا أن رخص سعرها يميزها عن غيرها من المستوردة خاصة المنتج "الصيني" المنافس له

ويشكو مالك الورشة جابر محمد من أن هامش ربح الورشة يقارب 100 جنيه، مقابل 10 قطع، فيما يقفز ربح مالك البازار عشرة أضعاف 1000 جنيه، نظير عدد القطع ذاتها في بازارات في ميدان التحرير ومنطقة خان الخليلي وجدت معدّة التحقيق تماثيل صغيرة مصنّعة في مصر بسعر 20 جنيها «دولار واحد» للقطعة الصغيرة ويزيد السعر كلما زاد حجم التمثال فالتمثال المتوسط يبلغ سعره 70 جنيها وحتى 100 جنيه، وما يزيد حجمه عن ذلك يبلغ حتى 200 جنيه للقطعة الواحدة

مستشار وزير القوى العاملة علاء عوض، يقول إن هذه الورش تعد غير موجودة أمام الدولة لعدم ترخيصها من الأساس أو وجود أوراق رسمية لها. وبالتالي العمالة غير المنتظمة داخلها لا يؤمن عليها، فيهدر حقها لعدم وجود قانون يلزم ملاّك الورش بالتأمين على العمال. ويؤكد «عوض» أن مجلس الشعب يناقش حاليا مشروع قانون عمل جديد، يتضمن فصلا كاملا عن العمالة غير المنتظمة، بحيث يلزم فيه ملاّك الورشات والشركات والمصانع بالتأمين عليهم. وتنتظر الوزارة صدور هذا القانون حتى تحكم قبضتها من خلال التفتيش على تلك الورش والمحلات وتوقيع عقوبات قاسية على من يخالف الترخيص أو التأمين على العاملين في أي مؤسسة بالدولة

وأما عن شروط الحصول على ترخيص ورشة، فهي «ملئ نموذج استمارة في مبنى المحافظة المراد إنشاء الورشة بها، والحصول على موافقات من عدد من الجهات المختصة وهي الحماية المدنية، الصحة المهنية، البيئة، الصرف الصحي، الأمن العام، صور من شهادات الحالة الصحية للعاملين، ومستندات مطلوبة لتحديد النشاط الخاص بالورشة، وسداد رسوم التفتيش السنوية، واستيفاء الموقف المالي والعقاري»

يذكر أن الرئيس عبد الفتاح السيسي أصدر قرارًا للبنوك بطرح شهادات "أمان" وهي شهادات استثمارية تحق للعامل غير المؤمن عليه ما بين 15 إلى 59 سنة، أما المستندات المطلوبة فهي الرقم القومي فقط، دون أن يكون هناك كشف طبي، وصاحب الشهادة يتمتع بسعر فائدة 16 %، وبعد 3 سنوات يحصل المواطن على قيمة الشهادة التى دفعها، ويبلغ قيمتها 500 جنيه ويتاح للمواطن الواحد شراء بحد أقصى 5 شهادات وفي حالة الاصابة يحصل على تعويض 50 الف جنيه للخمس شهادات، أما الوفاة 50 ألف جنيه للشهادة الواحدة

في الأثناء، ينظر «عيسى» للمستقبل بقلق، يبحر في التفكير بين معاناة قدمه المهدّدة بالبتر، وبين سلامته وتأمين لقمة عيش كريمة لأسرته التي هي بأمس الحاجة لها. وهو يواصل العمل في ورشته ليلًا نهارًا لإنتاج المزيد من التماثيل التذكارية الجميلة، في انتظار من يشتريها

Created By
Digital Dostor
Appreciate

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a Copyright Violation, please follow Section 17 in the Terms of Use.