Loading

صفّر يا وبور.. حكايات ضحايا محطة مصر

كتبت: دارين فرغلي

المشهد داخل محطة مصر هذا اليوم كان عادياً، الركاب يتنقلون بين الأرصفة، منهم من ينتظر قطاره، ومنهم من لتوه قد نزل وأخذ يجرجر في حقائبه متجها إلي باب الخروج، أطفال يلهون هنا وهناك، عمال بـ"الكافتيريات" وآخرون بزي النظافة، ركاب من كل الأعمار وساعة معلقة ينظر إليها الجميع بين الحين والآخر. كان يبدو كيوم مثل كل الأيام ولَم يكن يدر في مخيلة أي منهم أنه سيكون الأخير في حياة بعضهم، أو أن آخرين من بينهم سيتركون هذا الرصيف الذي يقفون عليه ليستلقوا على أسرة أحد المستشفيات لتلقي العلاج.

دقت الساعة التاسعة وخمسة وثلاثون دقيقة في صباح اليوم قبل الأخير من شهر فبراير، وفجأة هز صوت انفجار مدوي كل أرجاء محطة مصر ووصل إلى آذان سكان منطقة رمسيس والمحيطين بها.

اصطدام جرار أحد القطارات بالصدادة الحديدية الموجودة على رصيف رقم 6 بعد خروجه عن القضبان، أدى إلى انفجار "تنك البنزين"، وأسفر عن اشتعال النيران في الجرار والعربة الأولى والثانية بالقطار.

المشهد لم يعد عاديا كما كان، فأجساد تفحمت كان أصحابها منذ ثوان يتحركون جيئة وإيابا، وآخرون لا زالت قلوبهم تنبض بالحياة برغم النيران التي اشتعلت في أجسادهم، الهويات انطمست ولم تعد الملامح واضحة، رجال الأمن فور وصولهم أخذوا يقلبون في ما تبقي من أثار، ربما يستدلون على هويات الضحايا.

حقائب سفر كان قد أعدها أصحابها واصطحبوها معهم، روايات وكتب صغيرة كانت ستكون رفيقة لهم ولكن أوراقها تناثرت علي الأرصفة أحد تلك الروايات تحمل عنوان "قلوب العصافير" للأديب عبد الباسط البطل، رواية كان أبطالها مواطنون بسطاء، لا يختلفون في شيء عن هؤلاء الذين صاروا ضحايا على رصيف القطار.

سيدة تمسك بحقائبها وشاب يسرع نحو الرصيف وثالث يرتدي جلبابا بسيطاً وآخر يقلب في هاتفه المحمول وأخرين، ظهروا جميعهم عبر تلك الشاشة الصغيرة في "تفريغات" كاميرات المراقبة بالمحطة بعد الحادث ولكنه كان الظهور الأخير لهم. كل ضحية منهم ورائها حكاية، هي قصة ليست من وحي خيال كاتب وإنما دنيا عاشها هؤلاء بحلوها ومرها.

"راوية".. 8 ساعات "تحت رحمة المجهول"

كتب: أحمد عصر ويسرا محمود

7 مشاهد، منذ انفجرت عربة القطار وحتى وصل والداها المنفصلان إلى مستشفى معهد ناصر بعد رحلة طويلة من البحث عنها، تروي حكاية طفلة ظلت 8 ساعات تحت رحمة المجهول.

موقع الحادث

صوت الانفجار صم آذان الموجودين، وكرات اللهب تناثرت في كل جانب، وانقسم الناس، بعضهم كان يجرى مسرعاً خارج محطة القطار، والبعض الآخر يلتقط صوراً ومقاطع فيديو لتوثيق الحدث الدامي، والقضبان والأرصفة امتلأت بالضحايا، وبينما يتنقل رجال الإسعاف بينها لفت انتباههم جسد صغير، طفلة ما زالت على قيد الحياة، سألها أحدهم عن اسمها، قالت: "اسمي راوية وعندي 6 سنين"، ثم غابت عن الوعي.

طوارئ "معهد ناصر"

صافرة سيارة إسعاف مقبلة من بعيد، انتبه لها الواقفون أمام بوابة قسم الطوارئ بمستشفى معهد ناصر، أطباء وممرضون وأفراد أمن داخلي وبعض من قوات الشرطة، يستعدون لاستقبال المصابين المقبلين في الطريق إليهم. انطلقوا في حركات سريعة ينادون على بعضهم البعض: "أول حالة جت"، سألوا السائق عن أي تفاصيل ولم يجب إلا بما قالته الطفلة: "اسمها راوية وعندها 6 سنين ومنعرفش حاجة تاني".

البحث عن "مجهول"

"الشاش" يخفى تفاصيل جسدها وملامح وجهها بالكامل، ولا أحد يعلم عنها أي شيء، حتى عجز مسؤول قسم الطوارئ عن تدوين بياناتها فلا هي مجهولة الهوية تماماً، ولا هو يملك عنها أي تفاصيل مؤكدة، واكتفى بكتابة "لطفلة راوية المصابة فى حادث محطة مصر".

رعاية الكلى

غرفة بها أَسرّة متجاورة يتنقل بينها طاقم التمريض والأطباء بحركات سريعة، ويحمل بابها لافتة مكتوباً عليها «رعاية كلى»، تم تخصيصها لاستقبال مصابي الحادث من ذوي الحالات الحرجة، فكانت إحدى المحطات التي استقر بها جسد «راوية». هكذا قالت الممرضة، قبل أن تجزم بانتقال "الطفلة المجهولة" إلى قسم رعاية الأطفال في الطابق الخامس من المبنى.

رعاية الأطفال

باب متوسط الحجم تعلوه لافتة زرقاء كتب عليها بخط أبيض "الرعاية المركزة للأطفال"، يفتح على باب آخر، وفى الداخل منه توجد أسِرَّة متقاربة، امتلأت بأطفال مرضى لم ينالوا هذا القدر من الاهتمام، الذى حظيت به الضيفة الجديدة "مجهولة الهوية"، صاحبة السرير على اليسار، ومن حولها تجمع الأطباء والممرضون، بعد أن نزعوا عنها "الشاش" الذي كان يغطيها بالكامل. جسد عارٍ قد يتخيل الناظر إليه من الوهلة الأولى أنه ليس لطفلة، بعد أن انتفخ من أثر الحريق وسقط عنه معظم الجلد، بينما لم تعد ملامح الوجه واضحة بعدما طاله الحريق أيضاً، فأصابه ما أصاب الجسد من الانتفاخ وتساقط الجلد.

الحروق أصابت جسدها بنسبة بلغت 82%، من الدرجة الثانية، حسبما قال الدكتور أحمد رجب، أحد الأطباء المعالجين، جعلت حالة الطفلة "خطيرة وحرجة".

ظهور الأهل

8 ساعات متواصلة مرت على احتجاز "راوية" داخل العناية المركزة، تصارع الألم والوجع بمفردها، حتى ظهر "السيد أحمد"، رجل أربعيني بملابس غير مهندمة، تظهر مشاعر قلق وضيق بوضوح شديد في عينيه، يسأل بلهفة عن ابنته ليصاب بصدمة عندما شاهدها مستلقية على السرير، وبعده بدقائق وصلت طليقته، شاهيناز صبحى، والدة "راوية"، التي ظلت تبكى بحرقة على ما وصل إليه حال ابنتها، وهى تصرخ قائلة: "بنتي حالتها مش مستقرة".

كيف بدأت المأساة؟

سحر محمد عليوة، سيدة في منتصف الخمسينات، وقفت أمام حجرة "راوية" تبكي بحرقة، فهي خالة أمها، شقيقة الجدة التي توفيت في الحادث، وكانت الطفلة بصحبتها لحظة الانفجار، وقالت: "أنا أخت سامية جدة راوية، وكانت عندي في بشتيل، بتعزيني في وفاة زوجي"، مضيفة أن "الجدة وحفيدتها تأخرتا عن موعد انطلاق قطارهما من القاهرة إلى الشرقية، فاضطرتا إلى انتظار قطار الثانية عشرة ظهراً، وأنا فوجئت بنجل شقيقتي يتصل بي ويقول لي فيه انفجار حصل في محطة مصر، وأمي تليفونها اتقفل، فبدأنا رحلة البحث عنها وعن راوية".

شهيد الواجب.. خرج لإنقاذ المرضى فحملته سيارة الإسعاف للمشرحة

كتب: محمد مجدى ومريم الخطري

صباح الأربعاء، كان النهار يشق طريقه للسماء، واللمبات الملونة تُحيط بأرصفة قطارات محطة مصر، شبه الخالية، عبَرَ «خالد» الساحة المكشوفة، أخرج التذكرة من جيب سترتهُ الرسميّة، أشعل سيجارة، ووقفَ ينتظر القطار المُتجه إلى الشرقية، كي يعود إلى أولاده «محمد» و«حمدي»، بعد يوم طويل وإنهاء «الوردية الليليّة»، إذ يعمل كسائق على السيارة 2379 تمركز رمسيس، كما روى لـ"الوطن"، وائل سرحان، النقيب العام للنقابة العامة للعاملين في هيئة الإسعاف، قصة وفاة زميله.

أعلنت هيئة الإسعاف المصرية، وفاة المسعف خالد عبدالمنعم، سائق على السيارة 2379 تمركز رمسيس، متأثرًا بإصاباته في حادث جرار محطة مصر بنسبة حروق 85%.

"الحذاء والموبايل".. آخر ما تبقى من "طالب المحطة"

كتب: محمد علي حسن

إبراهيم محمد محمد عبدالمجيد، أحد ضحايا حادث "محطة مصر"، قال شقيقه إنه كان يبلغ من العمر 18 عاما، ويدرس بمعهد اللاسلكي، قبل أن يلقى حتفه أثناء قيامه بتسليمه "الشيفت" لزميلته، حيثما كان يعمل في الشركة المسؤولة عن إدارة "كافتيريا" داخل محطة مصر، مؤكدا أن رحلة البحث عنه بدأت بعد أن وجدوا حذاء الفقيد وهاتفه المحمول.

وسام ونادية.. "قطار الموت" اختارهما من رحلة الخير

كتبت: آية المليجى

وقفتا ضمن باقي أفراد مجموعتهما التابعة لمؤسسة "الروتاري" الدولية، تنتظران قدوم القطار الذي يقلهما للعودة إلى الإسكندرية، مسقط رأسهما، ربما كانت الراحة هدفهما بعد جولة خيرية في صعيد مصر، ضمن مشروعات المؤسسة الخدمية.

لحظات قليلة وتبدلت الأحوال، لتصبح "نادية صبور" و"وسام حنفي" ضمن قائمة ضحايا "محطة مصر".

يروي المهندس سامح حميدو، مؤسس نادي "روتاري" الإسكندرية، تفاصيل اللحظات الأخيرة في حياة وسام ونادية، اللتان لقيتا مصرعهما إثر الحريق الذي نشب داخل محطة مصر: "كنا بنعمل مشروع المستشفى العائم لخدمة أهالي صعيد مصر، و(نادية) و(وسام) كانتا ضمن باقي أفراد المجموعة، كانوا كلهم واقفين، لكن كل اتنين راحوا حتة مختلفة، ونادية ووسام هما اللي واقفوا لوحدهم مع بعض".

وتابع: "حياة هادئة كانت تعيشها وسام فمؤسسة الروتاري بمثابة عائلتها، حيث التحقت بها منذ 3 سنوات، مكنش ليها غير عمتها.. وعرفت بخبر وفاتها أثناء وجودها في الأقصر وأسوان.. وكانت راجعة الإسكندرية تدفن عمتها.. ودلوقتي هيدفنوهم هما الاتنين مع بعض".

"بيشوي".. الطبيب الأسواني ضحية "المحطة الأخيرة"

كتب: عبد الله مشالي

طبيب أسنان أسواني في العشرينات من عمره، خريج دفعة 2017، خرج من محافظة أسوان مستقلاً القطار إلى القاهرة ووصل إلى محطة مصر فكانت نهايته، توفي بيشوي فتحي كامل، بعد أن خرج من أسوان لاستلام ترخيص مزاولة المهنة من النقابة العامة لأطباء الأسنان بالقاهرة، وكان ينوي الحصول على بعض الدورات التدريبية خارج النقابة، ولكنه لقي ربه في الحادث الأليم، بحسب الدكتور محمد صبحي عمر نقيب أطباء الأسنان بأسوان.

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a copyright violation, please follow the DMCA section in the Terms of Use.