Loading

«معلمو الظل» حكايات «التنمر» على ذوى الإعاقة داخل الفصول

نور المهدي

«الواد المتخلف قاعد هناك أهو».. عبارة صاحبتها ضحكات ساخرة متعالية من زملاء «يوسف» فى المدرسة خلال وقت الاستراحة بين الحصص المدرسية، ومعها إشارات إليه تثير غضبه وخوفه فى آن واحد، فلا يدرك «يوسف» كيفية الدفاع عن نفسه أو الرد على هؤلاء المستهزئين به، فيتخذ من إحدى زوايا ساحة المدرسة ركنًا يحاول الاختباء فيه من نظراتهم التى تلتهمه وتنقض عليه بوحشية تنهش فى قلبه الصغير الذى لا يحتمل كل تلك الكلمات المهينة، يبكى فتتحول دموعه إلى مادة مشتعلة يستغلها الأطفال المتنمرون عليه ويفجرون داخله بركانًا من الانهيار دون تدخل من أى مشرف بالمدرسة

«الدستور تستعرض بعض الحكايات المؤسفة من وقائع التنمر على التلاميذ من ذوى الإعاقة من المصابين باضطرابات التوحد ومتلازمة «داون» فى المدارس، من على لسان «معلمى الظل Shadow teacher»، الذين استعان بهم أهل هؤلاء الأطفال لمرافقتهم فى يومهم الدراسى

مريم عن يوسف: التلاميذ بينادوه يا متخلف.. ومدرس قاله استرجل كده شوية

تروى هذه المعاناة مريم محمد، معلمة ظل مرافقة للطفل يوسف عبدالتواب، سبع سنوات، والذى يعانى من اضطراب «التوحد»، فهى ترافقه منذ عام فى مدرسته بمنطقة المرج الجديدة. عانى الطفل كثيرًا قبل مرافقته بسبب سب زملائه له وسخريتهم منه، تقول المعلمة: إنها منذ أن تولت مسئوليته، وهى تتصدى للعديد من محاولات ترهيبه من الأطفال حوله حتى إن المعلمين فى المدرسة أحيانًا يسيئون التعامل معه دون دراية منهم، ويعنفونه على ما لا يملكه

«فى مرة اتخانقت مع مدرس بيزعقله وبيقوله استرجل كده شوية واتكلم مالك؟!»، حينها تصدت «مريم» له، وتقدمت بشكوى لمديرة المدرسة والتى حولته على الفور للتحقيق، ونقلته إلى فصل آخر، واستعانت بمعلم بديل فى فصل «يوسف

ترى معلمة الظل أن هناك عدم وعى باضطراب التوحد، تشرح: «ليس مرضًا وأيضًا لا يعد إعاقة، هو إضراب سلوكى يجعل الطفل لا يتجاوب بشكل جيد مع العالم والأشياء حوله، وتكون غالبًا لديه موهبة استثنائية تجعله مميزًا عمن حوله

وتضرب مثالًا: «بعضهم يجيد التعامل مع العمليات الحسابية والبعض يجيد الرسم والتلوين والعزف، هم استثنائيون بشرط أن تتم رعايتهم والاهتمام بهم جيدًا وتنمية مهاراتهم من خلال التدريب.

وتضيف أن الأطفال لا يدركون أيضًا ما يفعلون بزميلهم أحيانًا فينعتونه بـ«المتخلف»، وأحيانًا يسبونه أو يضربونه ظنًا منهم أنه لا يحبهم أو لا يريد اللعب معهم، و«هذا غير حقيقى ويجب على أولياء الأمور التنبيه على أبنائهم وتعنيفهم إذا صدر منهم أى موقف يهين فيه أى زميل له خاصة إذا كان من ذوى الاحتياجات الخاصة

من جهتها، تحكى «ماجدة»، والدة «يوسف»، أنها كانت تذهب بالطفل يوميًا إلى مدرسته ترافقه هى طوال اليوم لا تتركه حتى فى الحصص الدراسية، لكن زوجها تخلى عنها بسبب ظروف الابن وطلقها، وأصبحت النفقة لا تكفى للإنفاق على ولدها الوحيد

اضطرت «ماجدة» إلى العمل، لكن زملاء ابنها والمعلمين لم يتركوه وحيدًا. تحكى: «يعود إلى منزله وعلى وجهه كدمات وجهها أحد زملاء ابنها المعروفين بالتنمر والبلطجة، ومرة أخرى يعود وسرواله مغطى بالحبر بسبب زميل آخر مسح حبر قلمه المكسور فى سروال يوسف

مواقف يومية تصيب «ماجدة» بالأسى والألم وتذهب للتشاجر وتقديم الشكاوى دون جدوى، حتى اضطرت إلى الاستعانة بمعلمة ظل بعد عناء كبير فى عملية البحث عنها، نظرًا لندرة هذا النوع من المعلمين بالإضافة إلى ارتفاع راتبهم، خاصة إذا كان بدوام كلى مع الطفل، وليس جزئيًا

«كل يوم يجيلى مضروب أو مخبوط وبيعصب عليا وقلبى بيوجعنى.. أبوه سابهولى وراح اتجوز، لو أنا جرالى حاجة الولد هيروح فين ولا لمين.. ملناش غير ربنا».. بنبرات تعتريها الحسرة والألم والخوف من المستقبل تحدثت «ماجى» عن ابنها، مشيرة إلى أن الأطفال مثله يتعرضون للتنمر يوميًا، وأن معلم الظل أصبح لا غنى عنه فى هذا الزمن الذى أصبح الكثير من الأبناء مفتقدين للتوجيه الجيد من قبل أولياء الأمور، كما أن المعلمين فى المدارس يفتقدون آلية التعامل الخاص مع هذه الحالات، ويلقون كلامًا جارحًا دون دراية بتأثير وقعه على الطفل

أحمد مصطفى، معلم ظل أيضًا مرافقًا للطفل «نور» بإحدى مدارس مصر الجديدة. يستيقظ يوميًا منذ الساعة السادسة صباحًا، ويذهب إلى منزل الطفل بنفس منطقة المدرسة ليستعد لمرافقته فى المدرسة، هو الذى يحضر معه كل الحصص الدراسية، يعلم ما عليه من الواجبات، وكذلك يحرص على تناوله الوجبة المدرسية ودخوله دورة المياه وحمايته من أى محاولة للتنمر أو الاعتداء عليه لفظيًا أو جسديًا من أى شخص

«أنا بلاقى المدرسين ساعات يعاملونه بشفقة غريبة أو يعفونه من أى عمل يخليه يندمج مع الأطفال فى سنه، وده غلط».. يتحدث معلم الظل المرافق لـ«نور»، وهو فى الصف الأول الإعدادى بإحدى المدارس التجريبية

يرى المعلم أنه رغم أن المدرسة تعمل بنظام الدمج فإن المعلمين لا يشركونه فى الأنشطة أو الأعمال المدرسية، ففى إحدى المرات كانت هناك حصة للألعاب، بحيث يصطف الطلاب فى طابور ويؤدون بعض التمارين الرياضية: «فوجئت بالمدرس بيقوله لا اقعد إنت يا نور عشان إنت تعبان مينفعش، مع إن الولد كان مبسوط وعايز يشارك

يشدد «مصطفى» على أن الطفل المصاب باضطراب السلوك ليس معاقًا ذهنيًا أو جسديًا، ويمكنه المشاركة فى مثل هذه التمرينات، ولا يجب حرمانه منها، لافتًا إلى أن حالة «نور» ليست بهذا السوء الذى يمنعه من ممارسة بعض التمارين البسيطة. لذلك فإنه أخبر معلم الألعاب بأنه يجب أن يتعامل معه على هذا الأساس، وبالفعل شارك «نور» فى التمارين، وعاد إلى منزله سعيدًا بممارسته لتلك الألعاب مع زملائه

يقول «أحمد»: إن نور متفوق فى الرسم وفى تكوين الأشكال والأجسام من حوله مستخدمًا الصلصال، وأنه يعمل معه على تنمية مهارته فى هذا الجزء الذى يهرب إليه أحيانًا من مواقف التنمر

يحكى: «أحيانًا بلاقى زمايله بيتكلموا بينهم وبين بعض عليه، بقعد أتكلم معاهم وأفهمهم إنه زى أخوهم الصغير، ولازم يتعاملوا معاه على الأساس ده، وإنهم يحمونه لو حد من فصل تانى جه يضايقه، وفعلًا نجحت فى إنه يتعامل معاهم وبيصاحبوه وبيشاركوه فى أدواتهم المدرسية، والوجبات بتاعتهم بياكلوها سوا

فقدان الشهية لتناول الطعام تصبح مشكلة فى هذه السن، حسب تأكيد أحمد مصطفى، إذ يلجأ بعض الأطفال إلى سرقة الطعام الخاص بـ«نور» كنوع من الدعابة أو المرح ويأكلونه بدلًا منه، لكن مع الوقت ومحاولة الاعتماد على مأكولات يفضل طعمها وكذلك فواتح شهية أصبح يتناول وجباته خاصة بعد مصادقة بعض الزملاء له وتعاطفهم معه

أحمد عن نور: الأساتذة يستبعدونه من الأنشطة

أطفال التوحد ليسوا الوحيدين أيضًا الذين يتعرضون للتنمر وسوء التعامل من قبل المعلمين، وكذلك الزملاء فى الفصل، فالأطفال الذين يعانون من متلازمة «داون» هم أيضًا ضحايا للتنمر، ويحتاجون فى يومهم معلمى ظل لمرافقتهم والاعتناء بهم

متلازمة «داون» عبارة عن حالة وراثية، تحدث عندما يولد الطفل مع ٤٧ كروموسومات بدلًا من ٤٦ العادية، والكروموسوم الإضافى هو كروموسوم ٢١، ويسبب تأخيرًا فى نمو الدماغ وعدة تشوهات جسدية. ويمكن أن يولد الأطفال ولديهم المتلازمة بغض النظر عن العرق والجنس والوضع الاجتماعى الاقتصادى. وتستطيع التعرف على أطفال متلازمة «داون» من ملامح الوجه، بالعيون المائلة إلى أعلى مع طيات الجلد الواضحة فى الزاوية الداخلية للأجفان، وكذلك الآذان الصغيرة بأصغر من الحجم المتوسط، والفم الصغير، والوجه المستدير الصغير مع الخدين الممتلئين

إسراء جمال، فتاة عشرينية تعمل معلمة ظل منذ أربع سنوات، بعد أن تخرجت فى كلية الآداب قسم علم الاجتماع، واهتمت بالقراءة فى العلوم النفسية والاجتماعية وحصلت على دورات تدريبية للتعامل مع الأطفال، الذين يعانون من فرط الحركة أو عدم القدرة على النطق أو الكتابة، وكذلك مصابو التوحد ومتلازمة داون، وكانت تعمل على تأهيل نفسها كى تحسن من سلوكيات بعض الأطفال المصابين باضطراب السلوك

تقول إسراء: إنها عملت مع العديد من الأطفال لفترات طويلة عانت خلالها من معاناة الأطفال، فكانت الكلمات التى يُنعتون بها من قبل المحيطين بهم كالسهام فى قلبها، فالبعض لا يعلم مدى تأثير كلماته وإيماءاته ووقعها على نفوس هؤلاء الصغار

فى مرة تعرض أحد الأطفال التى كانت تعتنى بهم، وكان مصابًا بمتلازمة «داون»، فى المدرسة للتنمر من قبل بعض الزملاء، الذين اتفقوا عليه ورشوا المياه على جسده فابتلت ملابسه بأكملها، وأصيب بإنفلونزا حادة. لم تكن «إسراء» حتى قادرة على منع الأطفال من فعل ذلك، ففى أقل من جزء من الثانية، وخلال حديثها مع أحد معلمى الطفل المسئولة عنه فعلوا فعلتهم

اعتذرت بالطبع لولى أمر الطفل وعزمت على عدم تكرار ذلك، وبالفعل فى اليوم التالى استطعت الإمساك بفاعل هذا السلوك وتحدثت معه وشرحت له حالة الطفل المرافقة له. تقول: «دايمًا بلعب على فكرة إن الطفل ده مسئول منك وإنت راجل ومتعملش كده، الطفل بيلاقى نفسه وبيحس إنه كبير وبيتغير تصرفه، وطبعًا بتكلم مع ولى أمر الطفل الغلطان عشان ينصحه، ولو مبطلش يتعاقب

موقف آخر تحكيه «إسراء» عن طفل مصاب بعدم القدرة على الكتابة أو الإمساك بالقلم، وكذلك التعثر فى النطق، إذ كان أحيانًا يتكلم، ويتعثر فى نطق بعض الحروف فيستهزئ به زملاؤه فتوقف عن المحاولة فى تحسين حديثه حتى لا يتعرض للتنمر، وهو ما أخَّر حالته كثيرًا، وعندما رافقته راحت تحثّه على الحديث، وأحضرت له العديد من الكتب لقراءتها، إذ كان يحب القراءة كثيرًا، وبالفعل بدأ ينطق بعض الكلمات البسيطة، وبمعاونة والدته أصبح يكوِّن الجمل، وينطقها بشكل أفضل

ووجهت «إسراء» رسالة إلى المجتمع بأهمية القراءة حول هؤلاء الأطفال والحرص فى التعامل معهم خاصة من قبل المعلمين والمشرفين فى المدارس، حتى يندمجوا بشكل أفضل مع زملائهم فى المدارس، مناشدة أولياء الأمور بالتربية السليمة لأطفالهم حتى لا يتنمرون على زملائهم، الذين يعانون من أى إعاقة أو اضطراب فى السلوك

إسراء عن أطفال «متلازمة داون»: مكافحة الجريمة تبدأ من البيت والأسرة
Created By
Digital Dostor
Appreciate

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a Copyright Violation, please follow Section 17 in the Terms of Use.