Loading

رحلة صناعة المعسل إعداد: محمد كمال - وسام هريدي

من أمام محل شهير متخصص فى بيع التبغ بميدان رمسيس، بدأت رحلة البحث عن المصانع الصغيرة لإنتاج «المعسل»، وقد تعددت مسميات عبواته ونكهاته، وانتشرت فى مقاهى مناطق عديدة، لم تكن مفاجأة لى، وقد عرفت من البائع أنها منتشرة فى مناطق عديدة بالقاهرة، منها «الضاهر وشبرا وباب البحر والمطرية».. ومثلما يختار المدخن نوع التبع، اخترت أن أبدأ رحلتى من منطقة باب البحر، حيث يوجد أشهر مصانع بير السلم مثل «البريمو» و«المزاج» و«المخصوص».
فى منطقة باب البحر، سألت عن مصانع التبغ، بصفتى تاجرًا من الصعيد، وأريد التعرف على بضائعها لأفاضل بينها، وأقرر مع أى منها سأتعامل. وعند دخولى أحدها داهمتنى رائحة التبغ التى يتشبع بها هواء المكان، ووقعت عيناى على آلات بسيطة فى مساحات صغيرة تتكدس فيها «كراتين» معبأة بخامات الأدخنة «التبغ»، إلى جانب أحواض مياه أشبه بـ«بانيوهات» لكنها تبدو قديمة، وأوعية كبيرة «آذانات» من الألومنيوم تستخدم فى تخزين العسل وترطيب التبغ، وماكينة تستخدم الشحم والزيوت أثناء عملية فرم «التبغ»، وتجاور هذا المكان مساحة صغيرة ينشفون فيها التبغ قبل عملية «التعسيل» أو إضافة مكسبات طعم ورائحة فى حالة معسل الفواكه.

وعلى الجانب الآخر يوجد مخزن قديم معبأ بكراتين التبغ غير المدون عليها أى بيانات تتضمن النوع أو تاريخ الصلاحية وغيرها من المعلومات التفصيلية التى تشير إلى أن المنتج يخضع للمواصفات المعمول بها فى هذا النشاط.

بينما يجلس فى زاوية بعيدة أحد الصبية، وهو رغم صغر سنه إلا أنه يحمل سر الصنعة، حسبما أكد لى أحد العمال الكبار.

وكانت أول مفاجأة هو ما كشفه لى أحد العمال هناك، إذ شرح كيف يختص هذا الصبى بخلط التبغ المستورد «السليم» مع أوراق النباتات المجهولة المصدر بنسبة الثلث إلى الثلثين، مع قليل من نشارة الخشب وبدرجة لا تؤثر على مذاق وحمو المعسل قبل التعسيل.

بعد خلط أوراق التبغ مع الأوراق مجهولة المصدر، تدخل فى مرحلة «الترطيب»، بتمريرها فى الماء لتصبح الأوراق أكثر مرونة قبل الدخول فى مرحلة الفرم، حيث تمر تلك الأوراق فى ماء بارد داخل الأحواض أو الـ«أذانات» الكبيرة، مضافا إليها نشارة الخشب بكميات محددة، لكنها لا توضع فى الماء المغلى من ٥ إلى ١٠، دقائق لقتل الجراثيم، كما هو متبع فى الشركات الكبرى مثل الشرقية للدخان، ثم تدخل بعد ذلك مرحلة التهوية، حيث يتم تعريض أوراق المعسل المفروم للشمس والهواء على ألواح معدنية أو أرضيات من السيراميك للتخلص من الرطوبة التى تؤثر على درجة حمو المعسل ومذاقه ودرجة اشتعاله، ويترك هكذا لمدة لا تقل عن ٢٤ ساعة تمهيدا لمرحلة التعسيل.
فى درجات حرارة عالية يتم غلى العسل الأسود الرديء، الذى يتم شراؤه من عصارات العسل فى مناطق نجع حمادى وأبو قرقاص وكوم حمادة وقوص، وبعد غلى العسل، يوضع على أوراق الدخان المفروم، وتبدأ العمال تقليبه بأقدامهم، كما يتعرض للذباب والحشرات التى تلتصق به، إضافة إلى الأتربة، وبعد ذلك يترك لمدة ٣، أيام ثم يغطى لمدة ٢٤ ساعة بالمشمع البلاستيكى لإتمام عمليات التخمير قبل التعبئة حسب الكميات المطلوبة فى عبوات معينة.
داخل المصنع كميات كبيرة مخزنة تصل لدرجة «الجفاف» حتى يعاد تعسيلها مرة أخرى وإضافة الجلسرين للتلميع وزيادة قابلية الاشتعال قبل إعادة تعبئتها فى عبوات مخصوصة، تباع بأسماء محلية مثل «المخصوص والسلام والمزاج»، وعبوات أخرى غير مدون عليها اسم ماركة، وغير مسجلة، وهى تباع للمقاهى فى مناطق باب الشعرية والظاهر وباب البحر، وفيها يتم الفرم يدويا، من خلال عمال لا يتبعون أى احتياطات صحية مثل ارتداء قفازات واقيه، كما أن ملابسهم متسخة من أثر تشحيم الماكينة القديمة المتهالكة التى لا يتجاوز سعرها ٥٠ ألف جنيه، ومتاحة فى الأسواق بمنطقة شبرا ورمسيس والظاهر والحلمية الجديدة، وهو ما يسمح باختلاط الشحم بورق الأدخنة.
بعد عملية التعسيل يضاف الجلسرين الذى يفترض أنه مطابق للمواصفة القياسية، بنسبة لا تزيد عن٪١٠، وهو يعمل على تلميع المعسل، وزيادة مدة صلاحيته، فضلا عن رفع درجة قابليته للاشتعال، لكنه فى حالات كثيرة لا يكون الجلسرين نفسه مطابقا للمواصفات، ويتسبب فى الإصابة بنزلات شعبية حادة وتضخم فى عضلات القلب، وسرطان الرئة، كما أن إضافة بنزوات الصوديوم وملح الليمون والسوربين، وأوراق الأشجار مجهولة المصدر، وفرمها مع أوراق «التبغ»، وهى عبارة عن مركبات كيمائية تؤدى لتصاعد أول وثانى أكسيد الكربون «co، co٢» وهى غازات مسرطنة.
كما أنه فى معسل الفواكه، تتم كل العمليات السابقة من ترطيب، وفرم، وتعسيل، باستخدام عسل «الفراكتوز» الذى يصنع منه الملبن، بالإضافة لمكسبات الطعم والرائحة الصناعية بالأنواع المختلفة، فهناك معسل بالخوخ والتفاح وغيرهما.

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a Copyright Violation, please follow Section 17 in the Terms of Use.