Loading

أرض الصَلاح الدستور" في قرية "الإصلاح الزراعي" بعد 66 عامًا من منحها للفلاحين"

استيقظ محمد، في السابعة من عمره، مفزوعًا.. فقد مرّ على آذان الفجر نص ساعة، ويخشى أن يخرج جده مع الماشية ويتركه نائما، فهو يذهب معه كل يوم لإطعام الماشية من "أرض البرنس"، كما يطلق عليها أهالى القرية

نهض من فراشه ووجد الماشية تقف فى مكانها وحيدة، لكن بدون جده، فأدرك وقتها أن البرنس منع خروج الماشية لتأكل من الأرض، وطلب حضور الفلاحين وحدهم لحراثتها، وشعر بالحزن على الماشية التى ستظل بدون طعام حتى صباح الغد، فلا أحد من الفلاحين يستطيع أن يجادل البرنس أو يمتنع عن تنفيذ أوامره، فالغفر والكرباج موجودون دائما لمن لا يخضع لقراراتهم

محررتا الدستور على أرض الإصلاح

ذكريات كثيرة تداخلت فى عقل عم محمد (77 عامًا) عما كان يحدث لأهالى القرية من الفلاحين عندما كانوا يعملون بالأجرة فى أراضي كبار الملاك، والظلم الذي وقع على أجداده من عملهم مقابل لقمة العيش فى هذه الأراضي التي أصبحت ملكًا لهم بعد قانون الإصلاح الزراعي، فكما يقول "ثورة يوليو أعادت للفلاح كرامته التى نهبها منه الأمراء"

"الدستور" التقت عم محمد وعددًا من الفلاحين فى جولة ميدانية داخل عزبة الإصلاح الزراعي.. العزبة التى تم فيها توزيع 850 فدانًا على صغار المزارعين عقب إصدار قانون الإصلاح الزراعي، والذي يعد من وقتها عيدًا للفلاح

وفق بعض الإحصائيات الرسمية؛ وزّعت الدولة على الفلاحين منذ قيام ثورة 1952 وحتى عام 1969 989 ألفًا و184 فدانًا، منها 775,018 فدانًا تم الاستيلاء عليها وفقًا لقوانين الإصلاح الزراعي، و184,411 فدانًا كانت تتبع بعض المؤسسات المختلفة، أما الـ 29,755 فدانًا فكان حصيلة أراضي طرح النيل، ووفقًا لهذه الإحصائيات الرسمية نفسها وزعت تلك الأراضي على 325,670 أسرة

مدير الجمعية الزراعية: الثورة استردت 850 فدانًا تم توزيعهم على صغار الفلاحين

تقع عزبة الإصلاح الزراعي داخل محافظة الشرقية، وهى تابعة لقرية العصلوجى التى تقع على بحر أبو الأخضرعلى طريق الزقازيق بلبيس، فى بداية العزبة يقف مبنى من دور واحد وهو الجمعية الزراعية بالعصلوجي المسئولة عن جميع الأراضي الزراعية فى العزبة وإدارة شئون الفلاحين فيها

من داخل الجمعية، التقت "الدستور" ممتاز محمود، رئيس الجمعية الزراعية بقرية العصلوجى، فقال إن العزبة قديمًا كانت تملكها خديجة هانم بنت الأمير محمد على الصغير بن محمد على باشا وزوجها الأمير حسن باشا، وكان بعض الفلاحين يستأجرون منهم جزءًا من هذه الأراضي، ولكن بعد إعلان قانون الإصلاح الزراعى الثانى، الذي صدر عام 1961، استولت الدولة على 850 فدانا من هذه الأراضي، وهى مساحة العزبة الحالية، وتم توزيعها على الفلاحين الذين كانوا يستأجرون الأرض

وأضاف محمود، فى حديثه مع" الدستور"، تم توزيع الأراضي على الفلاحين بقانون رقم 178 و126 لعام 1961، بسعر 200 جنيه للفدان يتم سدادهم بالقسط على 40 سنة، وتراوح عدد الأفدنة التى تم توزيعها بين فدان واحد إلى 5 أفدنة حسب وضع الأسرة، موضحًا أنه تم إشهار عقود الملكية للفلاحين عام 1988 بعد أن تمكن جميع الفلاحين من سداد أقساط الأراضي

عبد الله سليم، مدير الجمعية الزراعية بالعصلوجى، أضاف أن توزيع الأراضي على الفلاحين عقب قانون الإصلاح الزراعى لم يكن عشوائيًا، وإنما تم عمل بحث أجرته الحكومة عن حياة كل فلاح وإذا كان مستأجرًا للأرض أم لا، وعدد أفراد أسرته، وتم توقيع عقد اتفاق بين الحكومة وقتها والفلاح وبموجب العقد يسدد الفلاح أقساطا سنوية هى قيمة الأرض، مقابل تملكه الدائم لها، وبالفعل بعد سداد جميع الفلاحين لأقساطهم تم عمل حيازة باسمهم لهذه الأراضي وتملكها من بعدهم أبناؤهم

وأوضح سليم أن الفلاحين الذين يملكون هذه الأراضي الآن هم من الجيل الثالث منذ صدور القانون، مشيرًا إلى أن قانون الإصلاح الزراعى أعاد للفلاح هيبته بدلًا من عمله مستأجرًا فى الأرض مقابل طعامه، وأصبح له حق التصرف فيها وفى محصولها، وبالرغم من ذلك إلا أن الأجيال الجديدة من الفلاحين لم يحافظوا على هذه الأراضي

وحسب إحصائيات رسمية، كان أقل من نصف في المائة من الملاك الزراعيين يملكون 35% من الأراضي الزراعية، ووصل عدد المعدمين ممن لا يملكون أرضًا ولا يستأجرون أي مساحة نحو مليون ونصف مليون أسرة، رغم قيام الدولة قبل ثورة يوليو باستصلاح الكثير من الأراضي الزراعية

وأوضح أن الوضع فى العزبة اختلف كثيرًا عن الماضي، وحدثت الكثير من التعديات على الأراضي وصلت تقريبًا إلى 100 فدان من إجمالى عدد أراضي العزبة، وما زالت التعديات مستمرة رغم المحاضر التى يتم تحريرها ضد الأهالى

تتراوح متوسط ملكية الأراضي الزراعية في الفترة بين 1900-1952 من 1.46 فدان إلى 0.8 من الفدان، وزاد عدد صغار الملاك لنحو 780,00 عام 1910 ووصل إلى نحو مليونين عام 1952 وارتفع عدد من يملكون أكثر من فدان إلى خمسة أفدنة من حوالي 464,000 إلى نحو 624,000

عم محمد: جدي عمل بالسخرة لدى الأمير وكنا ندفع رواتب الغفر من جيوبنا

خارج الجمعية الزراعية، ورغم وجود الكثير من المبانى التى تم بناؤها حديثًا بالطوب الأحمر، إلا أن آثار زمن الأمراء لم يختف تمًاما من العزبة.. اصطحب عم محمد "الدستور" فى جولة حول مخازن الأمراء فى العزبة ومقرات سكنهم خلال فترة وجودهم داخل العزبة، ففى الجهه المقابلة للجمعية الزراعية وقف مبنى ما زال على وضعه القديم، رغم الإهمال الواضح عليه وعلى الحديقة التى تحيط به والتى أصبحت أرضًا بورًا لا أثر فيها لزرع، وقال عم محمد إن هذا المبنى كان مقر عبد الله سليم، أحد كتاب العزبة وكان يعمل لدى الأمير حسن

وأضاف عم محمد: رغم صغر سنى فى هذا الوقت إلا أننى أذكر عبد الله سليم جيدًا، ولن أنسي يومًا اسمه الذي كان مصدر رعب لجميع الفلاحين، موضحًا أن سليم بك كان المسئول عن هذه الأراضي كلها، وكان ظالمًا يعامل الفلاحين بقسوة وعنف، وكان يرسل الخفراء فجرًا لجلب الفلاحين ليعملوا في أرض البرنس بدون مقابل

وأشار إلى أن حرث وزرع أرض البرنس كان مسئولية الفلاحين، وقال أذكر أيامًا كثيرة كان يأتى الخفر لأخذ جدي صباحًا ولايعود لنا إلا مساءً يجر قدميه من التعب، وكانت تظل الماشية طوال هذا اليوم بلا طعام، فالوقت الذي كان محددًا لإطعام الماشية كان يقضيه جدي فى أرض البرنس يحرثها ويزرعها

وأضاف الزمن تغير كثيرًا، فبعد قيام الثورة بـ 9 سنوات تقريبًا حصل جدي على ثلاثة أفدنة بعد قيام الحكومة ببحث اجتماعى عن عدد أفراد الأسرة، وكان جدي ومن بعده أبي يسدد أقساط الأرض دون أى ضغط زايد عليها قائلا "دفعنا الأقساط من غير ما نحس"، موكدًا "حصلنا على حيازة الأرض بعد 20 سنة فقط وحتى الآن حيازة الأرض ما زالت باسم جدي"

واستطرد عم محمد: أوضاعنا وقت وجود الأمير كانت صعبة جدا، فكنا نجد لقمة عيشنا بصعوبة ولم يكن لدينا سرير ننام عليه وكان جدي يأتى بـ"الشوال" الذي يوضع فيه القطن ويفرشه على الأرض لننام عليه بدون ملابسنا، نخلعها قبل النوم خوفًا من تمزيقها، فلم نكن نملك غيرها ولم نكن قادرين على شراء غيرها

وتابع: كنت أيضا رغم صغر سني أذهب لأرض الأمير لحمل روث الحيوانات، وكان يلازم العمال والفلاحين دائما خفر الأمير خوفًا من أن يسرقوا شيئا وقت عملهم، لكن ما كان يحدث أنهم هم من يسرقوننا، فكنا ندفع للخفر رواتبهم من جيوبنا

الشافعي: الأمير حصل على القطن بالإجبار من جدي

يقول الشافعي: الظلم فى عهد الملكية كان كبيرًا، فلم يكن لدينا كهرباء ولا ماء فى منازلنا، والطعام كان شحيحًا، ولم يكن هناك مدارس فأغلب سكان الشرقية كانوا جهلاء، لكننى حصلت على شهادة محو الأمية بعد ذلك

وأوضح أن الفلاح كان يعمل طوال العام فى الأرض الزراعية، وكان يتم زراعة محصولين فقط وقتها، وهما القطن والذرة، وعندما يأتى وقت الحصاد يأخذ الخفر كل المحصول منا ويذهبون به إلى مخازن الأمير، ولا يعطون الفلاح المحصول إلا بعد أن يسدد القيمة الإيجارية التى كانت فى ارتفاع مستمر، وإذا لم يسددها لا يأخذ محصوله، أما إذا سددها فيأخذ ما تبقي من المحصول بعد أن يتم خصم جزء منه للخفراء مقابل عملهم فى مراقبة الفلاح، وبعد أن يحصل موظفو الأمير على احتياجاتهم أيضا، مؤكدا أن ما كان يتبقي لا يكفي طعام الفلاح وأسرته سوى أيام قليلة

وأضاف: جدي حصل على الأرض بعد قانون الإصلاح الزراعى الثاني، وحصل وقتها على ثلاثة فدادين كان يؤجرهم من الأمير حسن قبل الثورة، وأصبحت ملكًا له بعد عام 1960، والآن أصبحت ملكًا لنا بعد وفاة جدي وأبي

تم توزيع الأرض الزراعية على الفلاحين بناءً على ثلاثة قوانين تم وضعها بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952

وضع القانون الأول بعد الثورة بشهور قليلة، وحدد الملكية الزراعية بـ 200 فدان للفرد، وسمحت للمالك أن يهب أولاده مائة فدان، وبيع أراضيهم الزائدة عن الحد الأقصى لمن يريدون، وصرف تعويضات للملاك، وقدرت وقتها أثمان الأراضي بعشرة أمثال قيمتها الإيجارية، وأضيف إليها الملكيات والتجهيزات الأخرى القائمة على الأرض بقيم عالية. ونظم صرف التعويضات بسحب مستندات على الحكومة تسدد على مدى ثلاثين عاما بفائدة سنوية قدرها 3%

وقرر القانون توزيع الأراضي الزائدة على صغار الفلاحين بواقع (2 إلى 5 أفدنة) على أن يسددوا ثمن هذه الأراضي على أقساط لمدة ثلاثين عاما وبفائدة 3% سنويا، يضاف إليها 1.5% من الثمن الكلي للأرض، وبلغ مجموع الأراضي الزراعية التي طبق عليها قانون سبتمبر سنة 1952 مساحة 653,736 فدانا تنتمي إلى 1789 مالكًا كبيرًا، ولكن الأرض التي طبق عليها القانون في واقع الأمر بلغت 372,305 أفدنة، أما البقية وهي حوالي النصف فقد باعها الملاك بأساليبهم الخاصة حتى أكتوبر سنة 1953 حينما ألغت الحكومة النص الذي كان يتيح للملاك بيعها
وضعت الدولة القانون الثاني للإصلاح الزراعي رقم 127 لسنة 1961 وحدد القانون الحد الأقصى لملكية الفرد 100 فدان، يضاف إليها 50 فدانا لبقية الأسرة (الأولاد) للانتفاع فقط، وتحريم أي مبيعات للأرض من المالك لأبنائه، كما ألغى القانون الاستثناءات السابقة الخاصة بالأراضي قليلة الخصوبة. وتقدر الأراضي التي آلت إلى "الإصلاح الزراعي" نتيجة هذا القانون بـ214,132 ألف فدان

الدمرداش: الحكومة ملكتنا الأرض ووفرت لنا البذور والأسمدة

الدمرداش خليل، من فلاحي عزبة الإصلاح، قال: حصل جدي بعد إقرار قانون الإصلاح الزراعي على فدانين لأن أسرته كانت مكونة من 4 أفراد فقط، لكن هناك أسر أخذت 5 أفدنة لأن عدد أبنائهم أكبر

وأضاف فى حديثه مع "الدستور": أحوالنا تغيرت تمامًا بعد أن أصبحت لنا أرض ملك، فبعد أن كان أجدادى يعملون ليلًا نهارًا فى أراضي الأسرة الملكة وكانوا يعودون ليًلا بما يؤكل فى يومها، ولم يكن لدى أى فلاح فى القرية من الطعام ما يكفيه ليومين، لكن بعد أن أصبحنا نملك ما نزرع تبدل الحال تمامًا

وأشار إلى أن الحكومة وقتها لم تملك الأرض للفلاح فقط، وإنما وفرت لنا كل احتياجاتنا من بذور وأسمدة، موضحًا أن الأراضي التى استلمها الفلاحون كانت مجهدة وضعيفة، لأنها كانت لا تزرع سوى قطن وذرة فقط، مما أجهدها كثيرًا، لكن بعد الثورة أصبح هناك تنوع فى الزراعة، فزرعنا الأرز والقمح والبرسيم

وأكد أن الرئيس جمال عبد الناصر وفر كل الدعم للفلاح وأعطاه حقوقه، على عكس ما يحدث الآن، فلم تعد الحكومة تهتم بالفلاح أو بحقوقه، وأتمنى أن تساعدنا الحكومة مثلما كان يحدث قديما

وعام 1969 أطلق قانون الإصلاح الزراعي الثالث، والذي جعل الحد الأقصى لملكية الفرد 50 فدانا

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a Copyright Violation, please follow Section 17 in the Terms of Use.