Loading

هؤلاء انتحروا الدستور في منزل المنتحرين بالسحر والشنق

هايدي حمدي وندى عسل

شارك في الإعداد: نور المهدي

صباح ككل الأيام لم يبدو فيه حدثًا غريبًا أو موحيًا بأنه سيكون نقطة فاصلة في حياة هذه الأسر، لم يعلموا أنه اليوم الأخير مع أبنائهم .. آخر ضحكة .. آخر عناق .. آخر نظرة، ولم يظهر لهم علامات موحية بالإقدام على فعل الانتحار، لكن لم يستغرق الأمر من الأبناء سوى لحظات قرروا فيها إنهاء حياتهم، درأً لما مروا به من صعوبات وأزمات نفسية لم يعلم عنها سواهم، وهنا في السطور التالية حاولنا عرض قصص لهم، توافقًا مع اليوم العالمي لمحاربة الانتحار

ويحل اليوم العالمي لمحاربة الانتحار في 10 سبتمبر من كل عام، حسبما حددته منظمة الصحة العالمية، ففي أحدث إحصائية وضعتها على الموقع الرسمي لها في أغسطس الماضي رصدت أنه في كل عام ينهي حوالي 800000 شخص حياته، وتم تسجيل ثاني أهم سبب للوفيات بين مَن تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً على الصعيد العالمي في عام 2016، وأن أكثر من 79% من حالات الانتحار العالمية في عام 2016 حدثت في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، مشيرة إلى أن هناك هناك 88 ألف مصري ينتحرون كل عام، بمعدل 88 حالة انتخار من بين كل 100 ألف مصري

القصة الأولى التي طرقنا أبوابها تعود لـ "عمر عمار"، شاب في منتصف العشرينيات من عمره، تخرج في كلية الحقوق جامعة الإسكندرية، إلا أن أحمال أسرته التي قرر أن تكون من نصيبه لم تجعله يسلك طريق المحاماة بل بحث عن عمل يكفي قوتهم، فلجأ للعمل في مجال الحرف (نقاش، نجار، حداد، .. إلخ)، لكن الأعباء الثقيلة التي لم يجد من يحملها عنه دفعته للانتحار، ففقدناه في 29 أغسطس الماضي

تحدثنا مع أحمد، شقيقه، الذي بدأ كلماته معنا بصوت مختنق: "محاولش ينتحر ولا حد حس بيه .. مكنش مبين .. حتى أنا محستش بتعاسته"، يكبره بـثلاث سنوات، إلا أنه كان كتومًا على الضغوطات التي يتعرض لها، واصفًا حاله بعبارة: "بقى مجرد آلة بتلبي رغباتنا"، مشيرًا إلى أنه الآن أدرك ما كان يمر به أخوه فقد أصبح في نفس مكانه، ولا يوجد من يسمع ويهتم من والدينا، فالأب متزوج ولديه أبناء غيرنا، فتحمل الأخ مسئوليتنا

وبعيون دامعة تتذكر ملامح الأخ، يتابع: كان يشعر أنها الخطوة الأخيرة في حياته وحاول تفاديها لكن الدنيا لم تمهله هذا الاحتمال، ولم أفهم حرصه -منذ بلغت الحادية عشر تقريبًا- على تحمل الضغط وعدم ترك فرصة للخوف من أي شئ في هذا العالم، راويًا أنه اصطحبه قبل وفاته بأيام إلى البحر وحاول الحديث عما يشعر باقترابه لكنه فشل في نقل هذا الإحساس إليّ، ناصحًا: "كل ما تكونوا جنب اللي بتحبوهم مش هيفكروا فالانتحار"

تركنا أحمد لننتقل إلى رحلتنا التالية مع كامل علي أحد أقارب قصتنا الثانية، وهي نغم عادل، فتاة عشرينية، كان متبقي لها 8 أشهر على موعد زفافها، وحتى الآن ورغم إجراء تحقيقات النيابة بمحافظة الغربية إلا أنها لم تتوصل إلى سبب، ولم يكن هناك أي أسباب واضحة لانتحارها، فهي على علاقة طيبة بذويها، وتعيش مدللة في منزلها ولا يُطلب منها القيام بأي عمل، كما أنها وخطيبها متحابين، يقول "كمال

وينقل لنا "كامل" خلال حديثه معنا على لسان خطيبها أنه بمجرد وفاتها تحول المنزل إلى ما يشبه بيتًا للرعب لا نسمع عنه سوى في القصص الخيالية التي تعرض عبر شاشات السينما، مرجعًا الأمر إلى الأحداث التي تدور فيه من سماع صوت نحيبها ليلاً والناس نيام، وفي غرفتها رُسمت وجوه وجماجم، والتي صرخت منها أختها حين رأت أحدها يتحرك ويتحول لجان ذا شكل مخيف، ولم تفلح محاولاتهم في إعلاء صوت القرآن من الموبايل فبمجرد تشغيله يُطفئ بشكل مفاجئ مصدرًا صوتًا رخيمًا لا نعرف مصدره، وحتى خطيبها حاول النوم في غرفتها رأى مشاهد مرعبة في مرآتها ويستيقظ صارخًا دون أن يتذكر شيئًا

وبأنفاس متلاحقة إثر تذكر هذه الحكايات، يقول: كانت في الفترة الأخيرة تمكث في غرفتها طوال اليوم دون أي وسيلة ترفيهية، ولم تشكو من شئ بل كانت طبيعية، إلا أن أهلها "كل واحد في حياته وشغله وخطيبها بردو في شغله طول اليوم"، مشيرًا إلى أن عزلتها أصبحت أمرًا معتادًا ولم يؤثر على أحد لذا لم يعرها أحد اهتمامه، مختتمًا بـ: "آخر مرة شافها ليلة ما ماتت اتغدوا سوا واتفرجوا على شقتهم اللي بتتشطب وكانوا بيسمعوا أغاني ومبسوطين وفجأة حضنته وقالتله أنا لو مت هتزعل"، وفي الثامنة صباحًا وقعت فاجعتنا الكبرى في أول أغسطس الماضي

خرجنا من قصة "نغم" لنصعد درجات تقودنا شقة بالطابق الثاني حيث قصتنا الثالثة وهو أمجد ماهر، شاب في نهاية العشرينيات من عمره، ينتمي لأسرة متوسطة الحال، أم ربة منزل وأب محسوب على موظفي إحدى الهيئات الحكومية، له 4 أشقاء، ورغم هذا الحال نجح في التخرج من كلية التجارة جامعة ، إلا أن كثرة المتخرجين من هذه الكلية باعد بينه وبين إيجاد فرصة عمل ملائمة يستكمل بها طموحاته التي وضعها نصب عينيه

أم محمد، هي سيدة أربعينية تقطن في الطابق السفلي من أسرة "أمجد"، وهي كانت وسيلتنا لنقل قصته، فتقول أن قلة عمله أدت به إلى الالتفاف حول أصدقاء السوء، الذين كانوا السبب الأساسي في إدمانه للمخدرات فكتبت له نهايته الأليمة دون أن يعلم والديه ما حدث له سوى يوم وفاته التي استيقظوا عليها، وكانت لا عالبال ولا عالخاطر"

تروي لنا "أم محمد" أن أمجد في الآونة الأخيرة أصبحت تدهور صحته في كل يوم عن اليوم السابق له، فانخلع قلب الأم على وليدها لما وصل إليه من حال، فقد هبط وزنه وتزايدت مطالباته بالمال، وعند الرفض بعد نقاشات ولوم مستمر على تسكعه دون محاولة إيجاد عمل، ومع كل يوم يمر عليه دون أخذ الجرعة لعدم كفاية الأموال التي يمتلكها يزداد ثورة على ذويه بلا فائدة، إلى أن جاء اليوم الموعود منذ شهرين تقريبًا

وبعيون تحاول التماسك عن إسقاط دمعاتها، تتابع "أم محمد" قائلة: كصباح كل جمعة استيقظت الأم ومرت على أبنائها للاطمئنان عليهم وإيقاظهم لصلاة الجمعة، لكنها دخلت حجرة "أمجد" ولم تخرج سوى صارخة باكية بشكل هستيري، فقد وجدته معلقًا في سقف الغرفة بعدما شنق نفسه بأحد أسلاك الكهرباء، خلاصًا مما يعانيه من أعراض الانسحاب التي لم يقو عليها، والأم حتى لحظات حديثنا لا زالت في حالة نفسية مزرية، منعزلة ولا تطيق حديث أحد معها

حوادث الانتحار لا تنتهي، لذا من الضروري وجود التفسير العلمي لهذا الأمر، وفي ذلك استعنا بالدكتور جمال فرويز، استشارى الطب النفسي، الذي أكد أن النسبة الأكبر من المنتحرين هي من فئة الأعمار من 14 إلى 30 عامًا، وأي ضغط نفسي في هذه المرحلة يكون علاجها لديهم هو الانتحار حتى لو كانت المشكلة بسيطة

ويرى "فرويز" أن فصل الصيف جاذب لحالات الانتحار، مرجعًا السبب إلى ارتفاع درجة الحرارة التي تخلق نفسية سيئة للكثيرين، موضحًا أن كل شخص لديه ما نطلق عليه "الذهن الخلقي في المخ" وهي المسئولة عن استدعاء الأفكار الغريبة كالانتحار تحت عجلات المترو، مشيرًا إلى أن من يقدم على هذا الفعل يعاني من "الاكتئاب السوداوي"، وعلاجه هو حجز المريض بالمستشفى لمراقبته ومنعه من الإقدام على الانتحار أثناء فترة العلاج

Created By
Digital Dostor
Appreciate

Credits:

Created with images by HASTYWORDS - "depression mental health sadness mental health stress" • Ian Espinosa - "Naufragus" • Morgan Basham - "Fragile."

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a Copyright Violation, please follow Section 17 in the Terms of Use.