Loading

جلسة موت تلوث وأعطال مُفاجئة.. وحدات "الغسيل الكلوي" الموت يمر من هنا

حسن الهتهوتي - سمر مدحت - هايدي حمدي

صراخ وعويل، يملأ مركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية، مع الساعات الأولى من صباح يوم 15 سبتمبر الجاري. تكدسات أمام مركز الغسيل الكلوي بالمحافظة لأشخاص يتشحون بالسواد بعضهم يصرخ والآخر يبكي، ثلاثة جثث مغطاه تخرج من المركز محمولة على الأكتاف، يعلوا معها الصراخ، لا أحد يعلم ماذا فُعِل بهم في الداخل؟، فقد كانوا منذ لحظات أحياء

لا أحد يعلم إلى الآن ماذا حدث داخل مركز الغسيل الكلوي بالشرقية؟؛ نتج عنه وفاه ثلاثة مرضى، وإصابة 13 آخرين، أصابع الإتهام أشارت إلى وحدة معالجة المياه هناك، وأصابع أخرى توجهت إلى إهمال وغفلة الممرضات، اختلفت الأسباب خلف الواقعة التي لازالت قيد التحقيقات، لكن كشفت في الوقت ذاته الواقع المرير لوحدات الغسيل الكلوي في مصر

"الدستور" في التحقيق التالي، قامت بجولة داخل أكبر مراكز ووحدات غسيل الكلى في مصر، لتكشف الوجه الآخر لها، وكيف تحولت من مكان للعلاج إلى مقبرة تقضي على من يدخلها، ما بين وحدات تعاني من نقص الأجهزة، وأخرى الإهمال يضرب كل ركن فيها، كانت لنا جولتنا وثقنا فيها أوضاع وحدات الغسيل الكلى وحكايات المرضى مصابون ومنتظرون

مرضى الكلى بأسيوط: نبحث عن الآدمية في وحدات الغسيل

واقع كتبه عليهم القدر، وسلموا له، لكنهم لم يستسلموا. هنا وقف مرضى الغسيل الكلوي يُواجهون عذابات متكررة في رحلة يأملونها سعيدة في نهايتها، غير أن مرضى وحدة غسيل الكلى في أبنوب أسيوط، لم تؤلمهم أوجاع المرض فقط، بل زادهم الألم بمعاناة في تلقي العلاج، أو كما يوصفونها «نبحث عن أجواء آدمية

نحو 8 سنوات قضاها محمد حلمي، صاحب التسعة وعشرون عامًا، بين جدران وحدة غسيل الكلى في مستشفى أبنوب المركزي، أقصى شرق محافظة أسيوط، وكما يقول الشاب، فإنه خلال السنوات الثمانية في رحلة علاجه، يذهب ثلاثة أيام أسبوعيًا إلى الوحدة للخضوع لجلسات غسيل الكلى

محمد ابن قرية عزبة أبو اسحق، وهي أحدى القرى التابعة للمركز، قاد حملات لجذب أنظار المسؤولين والرأي العام لما يحدث داخل الوحدة، واستخدم خلالها وسائل الإعلام الإقليمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، موثقًا حديثه بمقاطع الفيديو التي رصدت ما وصفه بالإهمال داخل الوحدة، وغياب الأطباء في الفترات المسائية

«محمد» ابن قرية عزبة أبو اسحق، وهي أحدى القرى التابعة للمركز، قاد حملات لجذب أنظار المسؤولين والرأي العام لما يحدث داخل الوحدة، واستخدم خلالها وسائل الإعلام الإقليمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، موثقًا حديثه بمقاطع الفيديو التي رصدت ما وصفه بالإهمال داخل الوحدة، وغياب الأطباء في الفترات المسائية

تتعرض الأجهزة لأعطال متكررة، كما يؤكد لـ«الدستور»، غير أن مهندس الشركة المتعاقدة معها المستشفى لصيانة الأجهزة، لا يأتي بانتظام، وقيد يغيب بالشهرين والثلاثة عن الاشراف الدوري عليها، بسبب وجود مديونيات مستحقة لشركته لدى المستشفى، مما يتسبب في أزمات، فُعطل جهاز يُحدث عجز أمام احتياجات المرضى للخضوع لجلسات الغسيل

صورة أرشيفية

«الإبرة» التي يتم الحقن بها في جلسات الغسيل، يشكوا منها مرضى وحدة أبنوب، فكما يكشف الشاب، فإن لجنة تفتيش من وزارة الصحة وجهت تعليماتها للمسؤولين بمستشفى أبنوب، برفض أي «إبّر» غير جيدة تأتي إليهم، وردها لاستبدالها بأخرى صالحة، لكن هذا لا يحدث.. «الإبر تُعذب المرضى أثناء الحقن، وحينما نشكوا منها، يقول الموظف إنه علينا استخدامها، وأنه استلمها من مديرية الصحة بأسيوط، ولم يأتِ بها من بيته

وحدة غسيل

يُتابع «حلمي» وصف معاناتهم: "طبيبة واحدة تكون معنا أثناء عمليات الغسيل في الفترة الصباحية، وتشرف على 13 مريضًا، بينما لا يوجد أطباء في الفترة المسائية، ويكون المسئول عنها هو طبيب الاستقبال، وفي كثير من الأوقات نطلبه ويعتذر بسبب وجود حالات معه، ولا يمكنه الحضور لنا، وهناك من تتدهور حالتهم الصحية ولا نجد معنا سوى التمريض

منذ أيام، انفجر خزان مياه، وغرقت الوحدة في مياه شبيهة بمياه الصرف الصحي، كنا نغسل بهذه المياه، ويمكنني القول أنه غير صالحة، فعينات المياه التي يتم تحليلها تقول ذلك، يضيف: لا توجد نظافة، ولا فرش للسرير ينام عليه المريض خلال الـ 4 ساعات التي يقضيها في الجلسة

هناك 25% من مرضى الفشل الكلوي المصريين يموتون سنويًا معظمهم دون سن الـ50، وتبلغ نسبة الإناث 55% مقابل 45% للذكور، وأبرز أسباب الإصابة هو ارتفاع ضغط الدم بنسبة ‏36%‏، يليه مرضى السكري نسبة ‏13.5%‏، وفي المركز الثالث نحو ‏80%‏ الالتهابات الصناعية بالكلى، ‏6%‏ لانسداد المسالك البولية، 15% أسباب مجهولة

انفوجراف

يبلغ عدد مرضى الغسيل الكلوي 36 ألف و11 مريضًا، يتم علاجهم في 460 مركز خاص وحكومي. تبلغ نسبة المرضى الذين تجرى لهم جلسات الغسيل بالمراكز الخاصة 30.5%، أما باقي الحالات والتي تبلغ نسبتها 69.5% فتجرى لهم الجلسات بمستشفيات الوزارة

انفوجراف
وفاه وأعطال مفاجئة.. ماذا يحدث داخل وحدة الكلى بمستشفى النصر؟

في بداية الشارع الغربي بمدينة حلوان، تقع واحدة من أكبر مستشفيات التأمين الصحي بالمنطقة، والتي تخدم أهالي مدينتي حلوان و15 مايو، لكونها تشمل جميع التخصصات التي يحتاجها المرضى، ويرتادها الآلاف يوميًا طلبًا للعلاج

إحدى المرضى

المستشفى له ثلاث أبواب رئيسية، الأول خاص بالعيادات الخارجية، والثاني للحالات الحرجة والطوارىء، والثالث مركز لغسيل الكلى، كل باب بداخله مبنى مكون من أربعة طوابق، كان الباب الأخير هو هدفنا والذي توجهنا إليه على الفور

مرضى متكدسون

مقاعد مرصوصة بجانب بعضها البعض، ومرضى متكدسون منتظرون أدوارهم في عملية الغسيل التي تتم لكل مريض ثلاث مرات إسبوعيًا مجانًا، إلى جانب عدد من الأدوية والحقن التي يصرفها ذوي المريض من نفس المستشفي عقب انتهاء الجلسة

الحاجة "نعمة"، إحدى رواد مركز الغسيل الكلوي، الذي بمجرد دخوله تجد تكدسات المرضى وذويهم تستقبلك، تأتي إلى هنا تلك السيدة منذ عام ثلاث مرات إسبوعيًا، ليقوم زوجها بعمل جلسة الغسيل المعتادة. تقول: "اللي مكتوب لنا هنشوفه" تعليقًا على حادث الشرقية الذي أودى بحياه ثلاثة من مرضى الغسيل مؤخرًا

تضيف: "المركز يبان نضيف وحلو من بره لكن من جوه المغسلة صعبة جدًا، لأن فيه أعداد كتيرة بتيجي المستشفى من المرضى، وعدد الممرضات مش كتير، عشان كدة عملية النضافة والإشراف مش بتكون مظبوطة

توضح أن لديهم أزمة أيضًا في مغلسة المستشفى وهي قوائم الانتظار، فهناك مرضى كثيرون يأتون وبسبب التكدس لا يستطيعون أن يقومون بعملية الغسيل المجانية، ويضطرون إلى تخيفض عدد المرات من ثلاثة إلى إثنان

"جوزي جاله تلوث في الدم"، السيدة تؤكد أن منذ خمس أشهر احتاج زوجها نقل دم للكلى، وتم حجزه في المستشفى ليتم نقل الدم وعمل الجلسات في آن واحد، إلا أنه أصيب أثناء نقل الدم في المغسلة بتلوث أدى إلى إصابته بفيروس سي في الكبد

تقول: "بقى عنده تليف في الكلى والكبد، بعد ما دخلنا بمرض واحد خرجنا باتنين"، موضحة أن على الرغم من مجانية الغسيل إلا أنهم يعانوا في المقابل من مشاكل كثيرة على رأسها التلوث وتكدس أعداد المرضى مما قد يظلم البعض

"ندى" شابة لا يتخطى عمرها الـ 25 عامًا، أصيبت بمرض الكلى منذ عامين، طافت فيهم على مستشفيات عدة، واستنزفت في الخاص منها أموال طائلة، حتى لجأت إلى المجانية والتأمين الصحي توفيرًا للنفقات

صورة أرشيفية

تقول: "بجيب أدوية كتير لأن المجاني في المستشفى أوقات مش بيكون متوفر في المغسلة، وبيقوموا بعملية الغسيل فقط ووقت صرف الأدوية يقولوا مش موجودة، وتمنها بيعدي الـ 250 جنيه، وأي مغسلة لازم تكون مجهزة من كل الحاجات

ضحايا ديرب نجم

توضح أن الأزمة لها عدة أوجه، بداية من أن المكان غير مجهز ولا يوجد به أي أجهزة ومعدات تصلح لعمليات الغسيل الكلوي، مرورًا بتكدس المرضى ووجود قوائم انتظار تدفع البعض إلى الذهاب يوميًا والعودة بدون اجراء عملية الغسيل الكلوي

تختتم: الموضوع عايز حلي جذري؛ لأن الضغط حاليًا من جميع الجهات على المستشفيات المجانية والحكومية فقط؛ عشان مرض الغسيل الكلوي مكلف ومحدش يقدر يروح خاص

زكريا، كان أحد رواد المركز، حتى فبراير الماضي، حين توفيت والدته، التي كانت مصابة بالمرض منذ 7 سنوات، وتقوم بعمليات الغسيل ثلاثة مرات إسبوعيًا، يقول "روحنا مستشفيات كتير، لكن استقرينا على الغسيل في مستشفى النصر"، زكريا يوضح أن مركز الغسيل الكلوي لا يوجد به أجهزة أو معدات للغسيل ولا إسعافات أولية التي يحتاجها المريض يوميًا

يقول: "وحدة الغسيل الكلوي فيها طبيبة واحدة بس وكذا ممرضة، وفيه دكتور تاني بيتعامل حسب المعرفة والواسطة، وحسب المرضى اللي بيكشفوا عنده بالليل في العيادة، بيخليهم يجوا يغسلوا عنده الصبح في المغسلة وبيكون ليهم الأولوية وقتها

ويشير إلى أن أغلب ماكينات الغسيل الكلوي تكون عطلانة وتحتاج إلى صيانة خاصة، ولا يوجد أي صيانة أو تفتيش إلا حينما تأتي زيارة مفاجأة للمستشفى، ليس ذلك فحسب بل يؤكد أن معايير العدوى ليس موجودة، ولا يوجد آمان وتنظيف عقب كل جلسة وبين مريض والآخر، مشيرًا إلى أن الأمر نفسه موجود بين الممرضات فلا يوجد أي آمان أثناء عملهم

الدكتور خالد محمد حسن، رئيس قسم الكلى في مستشفى بولاق الدكرور، يقول أن مرضى الفشل الكلوي يعني عدم قدرة الكلى على تصفية السموم في جسم الإنسان وهي مهمة ذلك العضو الأساسية. موضحًا أن الغسيل الكلوى معناه وجود فلاتر تتحول إلى كلى مصغرة، تعمل مكان الكلى الأساسية، مبينة أنه يتم تصفية الدم الذي يمر خلال الفترة، وفي نفس الوقت تسحب المياه المقطرة السموم من الجسم، وتعطي مياه معقمة

المطرية "الغسيل للطوارىء فقط"

أما معهد الكلى والمسالك البولية بالمطرية، فهو إحدى الهيئات الحكومية التابعة لوزارة الصحة، والذي عانى منذ عامين تقريبًا من كونه مأوى للأمراض، فعانى المرضى من الكشف في غرفة واحدة

ونقص الأدوية وعدم الانتظام في صرفها، إضافة إلى أن الإهمال الذي يواجهونه من قبل التمريض والأطباء، ما أدى لحالات وفيات عدة أفصح عنها ذوي المرضى بصرخاتهم وآهاتهم. على مقربة من ميدان المطرية دلفنا نحو المعهد الممتلىء على يمينه بعدد من المقاعد، ضمت المرضى منتظرون صرف علاجهم، بناء على قرار نفقة الدولة الذي استصدروه في وقت سابق

وتحدثنا مع هالة كامل، إحدى مرضى الكلى، فتقول أن المستشفى هنا توفر لنا الأدوية اللازمة لكن يجب الحضور لأخذها خلال شهر وبانتهائه "بيروح عليا العلاج"، ويقتصر الغسيل على حالات الطوارئ فقط

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a Copyright Violation, please follow Section 17 in the Terms of Use.