Loading

أحلام ضائعة حكايات المتسربين من التعليم: الظروف كانت أقوى مننا

سمر مدحت – سالي رطب – أريج الجيار

جلس «عادل» الشاب العشريني، حزينًا وهو يروي كيف ترك دراسته في المرحلة الإعدادية، لمساعدة والده المقيم بمنقطة حلوان في القاهرة، في توفير النفقات لمواجهة ظروف المعيشة القاسية.. «كُنت متفوقًا في دراستي.. حدث ذلك رغمًا عني.. والآن، أتمنى العودة لاستئناف الدراسة»

نحو 1.122 مليون متسرب من التعليم في مصر حسب آخر إحصاء صدر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فى عام 2017، لتحتل مصر المرتبة الأولى عربيًا في ظاهرة الأمية منذ عام 2014 وحتى الآن.

في اليوم العالمي للأمية، اقترب "الدستور" أكثر من ظاهرة التسرب من التعليم، عبر حكايات لشباب وطلاب تركوا التعليم في سن صغيرة واضطروا إلى ذلك بدوافع مادية أو لعدم وجود مدارس في القرى التي يسكنون فيها، وتخطوا حاليًا الـ20 عامًا، وتركوا التعليم في مراحله الأولى ولجأوا إلى سوق العمل، مع اختلاف الأسباب من حكاية لأخرى.

حكاية عادل، لم تكن وحدها في قلب الألم، فيُشاركه الجراح «هاني» شاب من إحدى قرى محافظة الجيزة، يبلغ حاليًا من العمر 24 عامًا، ترك التعليم وهو في المرحلة الثالثة الابتدائية، بعد وفاة والده مباشرة، فاضطر للجوء إلى سوق العمل، لإعالة شقيقته وأمه، يقول "اشتغلت أول حاجة صبي قهوجي وكنت باخد 500 جنيه في الشهر عشان أصرف على البيت".

وأضاف: "شقتنا كانت إيجار وكنت بصرف على جهاز أختي، فكان لازم أشوف شغلانة كمان جنب دي، ومكنش فيه وقت للتعليم، مكملتش غير تلات سنين بس، وبعدين سبت المدرسة عشان أقدر أخليهم يعيشوا".

وأصبح هانى يعمل في ورشة حدادة بجانب القهوة، وبلغ راتبه الشهري 1250 جنيهً، ويقول "كانوا يدوب بيكفونا بالعافية، خصوصًا بعد مرض أمي بالكلى، وخليت أختي كمان سابت المدرسة، ونزلت اشتغلت في مصنع ملابس، وإحنا الاتنين كنا بنشتغل ونصرف على البيت ونسينا التعليم".

احتلت مصر المرتبة العاشرة عالميًا فى مؤشر التعليم حسب تقارير هيئة الأمم، والتى أرجعت احتلال مصر لهذه المرتبة إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية التى يعانى منها أغلب فئات المجتمع المصري.

واختتم: "حاليًا أنا عندي ورشة حدادة، لكن كان نفسي أكمل تعليمي، وأطلع حاجة أفيد بيها المجتمع، وفكرت أرجع تاني أتعلم، بس للأسف أنا سايب من ابتدائي وعديت العشرين، واتحسبت من الأميين لأسباب مليش يد فيها".

وبحسب منظمة اليونيسف، فإن التسريب من التعليم يعني عدم تقدم الدارسين من الأطفال في سن الإلزام إلى المدارس نهائيًا أو تقدمهم ثم عدم انتظامهم في الدراسة، ويعرفه المجلس القومي للأمومة والطفولة بأنه عدم قدرة المدرسة على الاحتفاظ بالتلميذ أوالتلميذة بعد الالتحاق بالمدرسة، وانصراف أو انسحاب التلميذ المسجل بأي مدرسة من مدارس التعليم الأساسي.

لم يختلف حال محمد، 25 عامًا، من منطقة السيدة زينب، الذي يقيم حاليًا خارج مصر، وبدأت حكايته حين كان في الصف الأول الإعدادي، وكان مُلتحقًا بإحدى المدارس القريبة من منزله، فكما يقول "الحياة كانت ماشية بهدوء، ليا تلات إخوات بنات وأنا، وأمي ماتت وإحنا صغيرين، لكننا كملنا الحياة والتعليم".

"لما أمي ماتت بابا جاله سفر بره مصر في الكويت، استنى لما أنا وصلت لحد الإعدادية وبعدين سافر وكان بيبعتلنا فلوس، وكنت أنا بحافظ وبربي إخواتي البنات، لحد ما أبويا مات" يقولها الشاب.

صنفت وزارة التربية والتعليم المصرية مطلع العام الحالي، ظاهرة التسرب من التعليم بأنها أحد أهم أسباب الأمية في مصر.

والد محمد كان ضحية الانتهاكات التي تحدث للعمالة المصرية في الخارج، فبسبب مشاجرة تم الاعتداء عليه بالضرب من قبل جيرانه حتى أفضى الأمر إلى وفاته، ورحّلت السفارة جثته إلى مصر.

يقول محمد: "لما عرفت ده، وبعد وفاة أبويا ورجوعه تاني، اضطريت أروح الشركة اللي وظفته وأطلب منهم إني أسافر تاني مكان أبويا أشتغل هناك في المطعم اللي كان شغال فيه، وكنت وقتها وصلت تالتة جامعة".

اضطر محمد إلى ترك التعليم بعد ذلك المشوار الكبير الذي قطعه فيه، كي يسافر للعمل مكان والده، وإرسال نفس المبلغ الشهري إلى شقيقاته الفتيات لاستكمال تعليمهن، وأضاف "كان لازم حد فينا يضحي عشان المركب تمشي، وأنا كنت الراجل والولد اللي لازم يضحي.. كان نفسي أطلع مهندس جرافيك، لأني بحب الرسم وقالوا عليا إني برسم حلو، وكنت ناوي أدخل كلية فنون جميلة، وأعمل معرض خاص بيا، لكن ظروف الدنيا كان ليها رأي تاني، فمعرفتش أكمل تعليمي".

متولى 14 سنة من قرية نبروه التابعة لمحافظة الدقهلية يعمل "ميكانيكي" فى إحدى الورش بالقرية، قال "تركت المدرسة فى الصف الثالث الابتدائي فظروفى الأسرية لم تكن تسمح لى بذلك، وأبي أغلب الأوقات لا يعمل وأمى تبيع بعض الخضروات فى السوق فى محاولة منها لتدبير شئون المعيشة، لكنها لا تستطيع وحدها ولى أختان أصغر مني، فقررت ترك المدرسة لمساعدة أسرتي على المعيشة".

وأضاف "لم يعترض أى من والدي على تركي للمدرسة، وعملت فى إحدى ورش الميكانيكا فى القرية منذ كان عمري 6 سنوات، وعندما دخلت المدرسة كنت أتغيب كثيرًا منها حتى أظل متواجدًا فى الورشة وأحصل على أجري اليومي دون أى خصومات.. كان أبى وقتها يأخذ أجري من العمل كامًلا ولا يتبقى لي شيئ، إنما الآن بعد أن أصبحت رجلًا فأنا أترك مصروفي جانبًا وأعطي له ما يتبقي مني لينفقه، أما إخوتى وأمى فما يحتاجونه أعطيه لهم من أموالى الخاصة".

متولى لا يشبه غيره من الأطفال فرغم صغر سنه إلا أن علامات النضج ظاهرة على وجهه الذي قام برسم وشم عليه يشبه اللحية والشنب.. "أحب أنى يكون لي لحية وشنب فأحضر من العطار حنة سوداء وأقوم بوضعها على منطقة اللحية والشنب وأتركها حتى تجف فيصبح لى لحية وشنب"، ففنانى المفضل هو محمد رمضان وفى الكثير من أعماله تكون لديه لحية وشنب فقررت أن أصبح مثله".

وعن افتقاده للمدرسة وأصدقائه هناك، قال متولى "لا أفتقدها أبدًا، فكنت من البداية قليل الذهاب لها، وكان أغلب المدرسين يضربونى كثيرًا لأننى لا أجهز واجبي، والطلاب هناك لا يشبهونى فكانوا دائمًا ما يجدون مظهري غريبا ولا أرتدى ملابس نظيفة مثلهم، وأنا أحب عملى فى الميكانيكا وأحلم أن يكون لدى ورشة كبيرة عندما أكبر وأموال كثيرة، أنفقها كما أشاء".

وينص قانون التعليم رقم 139 لسنة 1981، على أن "التعليم إلزامي ومجاني في مرحلتا التعليم قبل الجامعي وتشمل مرحلة التعليم الأساسي وتتكون من حلقتين الابتدائية والاعدادية، ويهدف التعليم إلى تكوين الطفل علميًا وثقافيًا وروحيًا وتنمية شخصيته ومواهبه وقدراته العقلية".

وتنص المادة رقم 15 على أن "التعليم حق لجميع الأطفال المصريين الذين يبلغون السادسة من عمرهم، تلتزم الدولة بتوفيره لهم ويلتزم الآباء أو أولياء الأمور بتنفيذه، وذلك على مدى تسع سنوات دراسية".

اختلفت دوافع تلك الظاهرة بين الشباب والأطفال ممن يتركون المدارس ويلجأون إلى طرق أبواب أخرى، لكن الدافع الرئيسي والأغلب كانت الظروف المادية والاقتصادية، التي يرجح فيها الأهل عمل الطالب عن استمراره بالتعليم.

عطاء محمد 20 سنة، من مدينة سمنود التابعة لمحافظة الغربية، يعمل" ترزي"، قال "تركت المدرسة فى الصف الثالث الإعدادى بعد أن رسبت لمدة عامين متتالين فقررت وقتها ترك المدرسة رغم اعتراض والدى".

وأضاف عطاء "عندي 4 أخوات منهما بنتان أنهيتا تعليمهما حتى الجامعى، وإخوتى الذكور حصلا على تعليم متوسط وأنا كنت الأصغر فى العائلة لكننى لم أتمكن من الحصول حتى على الشهادة الإعدادية واكتفيت بالابتدائية".

وأوضح عطاء "لم أحب الدراسة وكنت دائم الرسوب حتى فى الابتدائية فقد اجتزت الصف الرابع الابتدائي بعد أن رسبت فيه عامين متتالين، وعندما أتذكر المدرسة لا أعرف السبب وراء رسوبي المتكرر خاصة أن والدىّ وفرا لي كافة احتياجاتى ولم أكن أعمل بجانب الدراسة كما يفعل الكثير من زملائي وقتها لكننى لم أكن أحبها".

واستطرد "حاول والدى كثيرًا الضغط علي لكى أكمل تعليمي لكننى لم أستطع، وبعد أن تركت المدرسة عملت فى أحد مصانع الملابس الجاهزة فى مدينة بالقرب منا، وأحببت العمل فيه، وبعد عامين من العمل فى المصنع تركته وافتتحت المشروع الخاص بي، اشتريت ماكينة خياطة وفى إحدى غرف المنزل قمت ببدء مشروعي الخاص".

وعن إحساسه بالندم على ترك الدراسة، قال "كنت أتمنى أن أنهى تعليمي حتى أكون مثلاً أعلى لأبنائي فى المستقبل وأن أتزوج من فتاة ذات مستوى تعليمي جيد خاصة أن لدينا فى البلدة يتزوج كل شخص ممن يناسبه فى المستوى التعليمي وهذا أكثر ما يقلقنى أن أتزوج فى النهاية من فتاة ليست متعلمة، لكن فى عملى فحصولى على شهادة تعليمية ليست ذات نفع فالمهنة التى أعمل بها لا تحتاج سوى للقراءة والكتابة لأخذ المقاسات غير ذلك فالموضوع غير مهم

"عبده عادل جيره" شاب عشريني يسكن بمدينة الخانكة، قال "تركت التعليم لأن وضع أبى المادى لم يسمح له بدفع مصاريف المدرسة وتسديد احتياجاتها"، مضيفًا "تركت التعليم منذ 6 سنوات ولم أحصل حتى على الشهادة الابتدائية، لأننى كنت أعمل فى عدة مهن مختلفة توفر لى دخلاً ماديًا يساهم فى قضاء حاجه أسرتي

صورة تعبيرية

وتابع جيره "أسرتنا صغيرة وليس لدىّ إلا أخت واحدة تصغرني بعد سنوات وهى الآن فى الصف الثالث الابتدائي وسأظل بجانبها حتى تكمل تعليمها وتصبح طبيبة، وعلمت بعدة مهن منذ تركي المدرسة وحتى الآن فعملت نجارًا وحدادًا كما عملت بالجزارة مع أحد أصدقائي

صورة تعبيرية

بنبرة حزينة بدأ حسن أبو غزالة، فى العشرين من عمره من سكان مدينة الخانكة، حديثه قائلا "خرجت من التعليم حتى أعمل وأوفر مصاريفي الخاصة ومصاريف عائلتي"، مضيفًت "حصلت على الشهادة الابتدائية لكننى لم أستطع إكمال دراستى الإعدادية فخرجت من المدرسة فى الصف الأول الإعدادى لأساعد فى توفير احتيجات أسرتي بعد وفاة والدى

تابع أبو غزالة حديثه قائلًا "بعد وفاة والدى تركت المدرسة فورًا، فهناك أسرة مكونة من 3 أفراد أصبحت مسئولة منى وهما أمى واثنين من إخوتى، ولم أكن أستطيع أن أجمع بين المدرسة والعمل فقررت ترك المدرسة والتركيز فى العمل الذي يوفر لنا الطعام، كنت أتمني أن أكمل تعليمي حتى أمى كانت تتمنى أن أكمل تعليمي".

وبلغة الأرقام، فإن عدد الأطفال المتسربين من مرحلة التعليم الأساسي في مصر، أكثر من 26 ألف طفل، من بينهم 76% من الفتيات، وهناك حوالي 590 ألف فتاة لم تلتحق بمرحلة التعليم الأساسي ما بين الفتيات التي تتراوح أعمارهم من 6 إلى 17 عامًا، بحسب منظمة اليونيسف.

وفي إحصاء للجهاز المركزي آخر عام 2017، بلغ إجمالى عدد المتسربين من التعليم في الفئة العمرية 6 – 20 سنة نحو 1.122 مليون طالب يتركز معظمهم فى محافظتى الجيزة والجيزة، إذ يوجد 104.957 طالب متسرب من التعليم بمحافظة الجيزة، و95.252 بمحافظة سوهاج.

ويبلغ إجمالي عدد الأميين في مصر، 18.4 مليون شخص، بزيادة 1.4 مليون شخص عن تعداد 2006، وبلغت نسة الأمية إلى عدد السكان 25.8% في تعداد 2017، مقابل 29.7% قبل 10 سنوات، بعد ارتفاع عدد السكان إلى 94.8 مليون نسمة في الداخل.

يقول أيمن البيلي، الخبير التربوي، ومؤسس نقابة المعلمين المستقلة، إن التسرب من التعليم يعتبر أهم أسباب الأمية، والتي تعاني منها الكثير من الدول لا سيما النامية، مشيرًا إلى أنها تعيق تقدمها ونموها، موضحًا أن نسبة التسرب من التعليم في أي بلد تعتبر دليلاً على تقدمه في النظام التعليمي والتربوي أو تأخره، مشيرًا إلى أن الأمر يقع على عاتق الدولة ووزارة التربية والتعليم المنوط بها توفير كل فرص التعليم لأبنائها

Credits:

Created with images by Nathaniel Tetteh - "Hope for the future." • Larm Rmah - "Happiness" • Tra Nguyen - "Physics teacher"

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a Copyright Violation, please follow Section 17 in the Terms of Use.