Loading

تصريحات نارية من المنصوري «الطيار المجنون» حوار: داليا عبدالرحيم

نسمع كثيرًا إلى حد الطرب عن أنشودة العبور 73 الشهيرة، ونسمع أكثر قصصًا وروايات وسيناريوهات خيالية واقعية عن محطات العبور وفرحة النصر ومشاهد وصور الشجاعة المصرية ولحظات العبور الكبرى وسقوط خط بارليف الأسطورة، ونسمع أيضًا حكايات عن بطولات الأولاد والشجعان، لكن السمع يختلف، والحكايات تُبهر، والقصص تُغلف بتوابل الانبهار والدهشة حين تجلس وتسمع عن قرب من أحد هؤلاء الأبطال العظام الذين خاضوا الحرب ببسالة وعبروا القناة بشجاعة، وقلبوا موازين الأمور عند الجانب الإسرائيلى الذى استيقظ على كابوس يوم السادس من أكتوبر وثورة مدفعية جوية قتالية احتجاجًا على الهزيمة، معلنًة غسيل عار النكسة، مُصرة على رفع رايات النصر وعبور القناة، تسعون دقيقة تقريبًا ويزيد الأمر بضع ثوانِ، عشنا الفرحة مجددًا بنصر أكتوبر مع اللواء طيار أحمد كمال المنصورى، «أحد أبرز الطيارين فى حرب أكتوبر».
مر ٤٥ عامًا على حرب أكتوبر التى تُعد درسًا يجب أن يتعلمه كل الأجيال من أبناء الشعب المصري، نحن لدينا ٦٠ مليون شاب سيحملون الأمانة، وهى سيناء المحررة والتى راح من أجلها ١٠٠ ألف شهيد فى ٤ حروب ضد العصابات الصهيونية «٥٦ و٦٧ و٧٣ وقبل هذا حرب عام ٤٨» عندما ضاعت فلسطين بعد هزيمة ٥ جيوش عربية مجتمعة لكون العصابات كانت موحدة والجيوش متفرقة، لكن شملها تكاتف فى أكتوبر ٧٣ وحتى وقتنا الحالي». مصر عريقة بكل ما فيها وأفخر بكونى من أبناء الفراعنة والقادة العسكريين منذ عهد المحاربين القدامى، مرورًا بكل القادة العظام وحتى ٣٠ يونيو الذى يُعد تاريخًا عظيمًا على الأقل فى حياتي، أرى أنه بعد هذا التاريخ مصر تغيرت كثيرًا، أصبحت أقوى ويكفى أن أقول: «الآن، أصبحنا بلدًا قويًا بجيش قوى ورئيس عظيم».
نحن لم نقم بشيء وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى»، كانت لدينا كلمة سر وهى الاستعانة بالله وصيحة «الله أكبر»، مصر كانت مدعومة من السماء، الله حارب معنا فى أكتوبر وكان النصر والعبور، كان لدينا إيمان وثبات على عقيدتنا، الروس وضعوا نسبة ٥٠٪ خسائر للضربة الجوية المكونة من ٢٢٥ طائرة بقيادة اللواء طيار محمد حسنى مبارك، ولكن الله قضى بخسارة ١.١٪ فقط.

بعد مرور الطائرات تحققت ٩٥٪ من أهدافنا وكانت جميع أسلحة الجيش مشتركة فى هذه الحرب، والتى أتمت معركة الأسلحة المشتركة على أفضل ما يكون وعبرت القوات ثم وصلنا لمناورة الموت الأخيرة بواسطة الطيارين الانتحاريين، والذين كان هدفهم الرئيسى الاستمرار للنهاية والقضاء على كل جندى إسرائيلي، كانت أمامى دائما هذه الآية الكريم:

«ومن يقاتل فى سبيل الله فيقتل أو يغلب، فسوف نؤتيه أجرا عظيما»، وأنا ناديت ربى فى هذه اللحظات الحرجة والفاصلة داعيا: «يا رب اشدد من أمرى وساعدنى أن أحقق الهدف الذى أحلم به وقد كان.. وكان النجاح حليفي، وانتصرنا وعدت بعد تنفيذ مهمتى سلاما إلى قاعدتى»، ويستطرد: مناورة الموت الأخيرة يلجأ إليها الطيار حال تعرضه للقتل الحقيقى، وأنا كنت أرغب فى الوصول لهذه المرحلة لحماية مصر من الأعداء، قائلاً: «كنت هاضايق لو مت وسبت مصر مش عارف إيه ممكن يحصلها، ومكنتش أتمنى الموت على يد جندى إسرائيلى غبي».

الصواريخ التى كانت مع العدو الإسرائيلي، كانت أمريكية يطلق عليها اسم «اضرب وانسى»، وبالتالى حال إطلاق الصاروخ يكون الأمر قد انتهى، ولكنى تمكنت من خداع الطيار الإسرائيلى بجعله يطمع بالاقتراب منى وحال تيقنه من قربه الشديد أسرعت ونفذت مناورة الموت الأخيرة، والتى تعتمد على النزول سريعًا بوجه الطائرة للأسفل، وحال قيام العدو بها لن يتمكن من الصعود مجددًا، ومن هنا تمكنت من سحقهم.

الطيار المجنون، لقب جاء بعد نجاحى فى تنفيذ مهمتى فى مناورة الموت الأخيرة، كان هذا أول تشريف لى من الجيش الإسرائيلي، الله منحنى القوة والثبات والإيمان وقطعنا ذراع إسرائيل فى حرب أكتوبر ٧٣، كنا نقاتل بروح الرجل الواحد من أجل الثأر والنصر، قائلاً: «مرمغنا أنف إسرائيل فى التراب، غسلنا عارنا ومحونا هزيمة ٦٧»، وتابع: «استمررنا ١٠٠٠ يوم استنزاف وكانت هذه هى الحرب الحقيقية والتى بدأها وأعد لها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر واستلمها أنور السادات، وكان أول قربان لمصر فى الحرب الشهيد عاطف السادات شقيقه».
كنت قائد تشكيل «الفهود السوداء» المكون من طيارين انتحاريين يعرفون مصيرهم وهو الذهاب بلا رجعة، ولكن الله كتب لى الحياة، ومكننى من الارتفاع مجددًا بالطائرة، قائلا: «الملائكة الشداد الغلاظ كانوا يحاربون معنا».. وتابع: «لما طلعت لقيت طيار إسرائيلى غبى قدامى وضربت الصواريخ أول مرة وأنا أسمى الله ولكن لم تصبه فتذكرت أنه لا يجوز التسمية عليه فضربت مجددا وأنا أقول ابتسم أنت تموت الآن وأصابه الصاروخ وأرديته قتيلاً». فى حرب أكتوبر كنا نحارب بلادا وليس إسرائيل فقط، كنا نواجه أمريكا وفرنسا، وانتصرنا.
فى مقابلة مع الرئيس السادات طلبت منه ٣ دقائق للحديث وده فرق معايا كتير، حكيت له تفاصيل، قلت إننى حاربت حتى آخر قطرة من دمى وهى آخر قطرة فى الوقود الخاص بالطائرة، كنت قد صممت على الهبوط بطائرتى سالمة بعد أطول معركة خضتها رغم توقف المحرك ونفاد الوقود، حققت مرادى ونزلت بالطائرة فى الزعفرانة ورد الرئيس: «ونحن نفتخر بك ومعركتك تلك سُتدرس للأجيال القادمة»..
طائرتى هى «حبيبتى» نزلت بها فى الشارع بعد أطول معركة جوية والتى استمرت ١٣ دقيقة والمدة الطبيعية من ٢: ٣ دقائق، وكان معى الشهيد حسن لطفي، حيث كنا طائرين بطائرتين ضد ٦ طائرات ولكن روحنا القتالية كانت عالية لحسم المعركة فى أول ٣٠ ثانية وتمكنا من الانتصار عليهم بقوة الإيمان، معلقًا «شاورت له بأننا سنذهب بلا عودة ووافقنى رغم صغر سنه.. كان عمره ١٩ عامًا والحياة أمامه، ولكن ضحى فى سبيل بلده ودخل بطائرته فى طائرة العدو».

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a Copyright Violation, please follow Section 17 in the Terms of Use.