Loading

أمل جديد من أجل بناء السلام: جهود التعايش بقيادة النساء في ديالى بالعراق بقلم رابر عزيز، بمشاركة رفل عبد اللطيف / المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩

قاعة بمساحة ٥ × ١٣ مترًا بها مقاعد خشبية قديمة وتبدو مهجورة ومساحتها ضيقة جدًا لمكان العبادة، لكنها كافية للمجمتع المسيحي في مدينة بعقوبة بمحافظة ديالى. بعد عدة سنوات من العنف والتمرد وتهديدات داعش في المدينة، بقيت ١٢ عائلة مسيحية فقط في هذه المنطقة.

اعيدت كنيسة أم المشورة الصالحة إلى الاستخدام منذ يناير ٢٠١٩، بعد أن قام مجموعة من المتطوعين الشباب المسلمين بقيادة آسيا وهي شابة تعيش في بعقوبة بإزالة الغبار والأوساخ التي تراكمت على مذبحها ومقاعدها لمدة ١٥ سنة، حيث بثت الحياة من جديد في الكنيسة والمجتمع وتجدد الاحساس بالأمل في بناء السلام والاحتفال بالتنوع العرقي والثقافي في بعقوبة.

قامت آسيا والمتطوعون الآخرون بتنظيف الكنيسة وأعادوا دهان واجهة المبنى وقاموا بفرش السجاد. رابر عزيز/ المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩
تم إصلاح شبكات الكهرباء والمياه لإعادة التشغيل في المبنى. رابر عزيز / المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩
كانت الكنيسة في الأصل منزلاً ثم تم تحويله إلى مكان للعبادة. رفل عبد اللطيف / المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩

آسيا البالغة من العمر ٢٦ عامًا وهي بغدادية الاصل، أجبرت على النزوح مع أسرتها من مسقط رأسها إلى ديالى منذ عام ٢٠٠٧ بسبب أعمال العنف في المدينة. وظلت المشاهد المتعلقة بالمسيرات العسكرية للمقاتلين الذين يرتدون ملابس سوداء من تنظيم داعش في بعقوبة وكذلك عمليات الإعدام عالقة في ذاكرتها.

تذهب آسيا بانتظام إلى المركز المجتمعي للمشاركة في المناقشات المجتمعية والمبادرات التطوعية. رابر عزيز / المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩.

وبهذا الصدد عبرت آسيا عن احساسها بالخوف آنذاك وقالت، "شاهدت الرعب بعيني. كانت الجماعات المسلحة تطلق الصواريخ من بساتين النخيل على المناطق السكنية، فقد أحرق منزلنا ومات الكثير من السكان، ولم نتمكن من الخروج في المساء على الإطلاق".

وعلى الرغم من صغر سن آسيا آنذاك التي كانت تبلغ من العمر ١٣ عامًا فقط، لكنها كانت تعلم بأن هذه الجماعات المسلحة ستذهب يومًا ما لأنه لا أحد يريد بقائهم في المنطقة، فقد أرعبوا الناس بشدة ".

بعد مرور عقد من الزمان، تقود آسيا محاولات بناء السلام في بعقوبة حيث يتعافى العراق من أزمة داعش. وتسعى مع مجموعة من الشباب إلى إعادة بناء الثقة والتماسك الاجتماعي في مجتمعها بمشاركة نشطة من النساء والفتيات.

"أشعر أنه إذا لم نحقق السلام، فإن دماء كل هؤلاء الأبطال الذين قاتلوا ضد داعش كانت ستُسفك من أجل لا شيء"، كما أضافت آسيا، "وأعتقد أننا الشباب لدينا دور مهم للقيام به. فإن إعادة استخدام تلك الكنيسة هو مجرد جزء من المحاولات التي نريد القيام بها، حيث لا يمكننا تحقيق السلام إلا عندما تشعر كل المجموعات بأن حقوقها محمية. فالمسيحيون مواطنون عراقيون ويحتاجون إلى حماية حقوقهم، بما في ذلك الحق في أن يكون لهم مكان للعبادة خاص بهم. "

متحف الشهداء الذي يقع داخل مركز الشباب في بعقوبة يعرض صورا لمئات من الأشخاص الذين لقوا حتفهم أثناء خوض القتال مع الجماعات المتطرفة في ديالى. رابر عزيز / المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩

كانت ديالى واحدة من أكثر المحافظات عنفا في العراق خلال السنوات التي سبقت استيلاء داعش على مساحات شاسعة من الأراضي العراقية في عام ٢٠١٤. ففي ذروة العنف الطائفي في العراق بين عامي ٢٠٠٦ و ٢٠٠٧، شددت القاعدة قبضتها على بعقوبة، معلنة أن المدينة أصبحت عاصمة للدولة الإسلامية في العراق. تم إغلاق الكنيسة وهربت العديد من العائلات المسيحية من المدينة إلى مناطق أخرى من العراق أو خارجها. بقيت فقط اثنتي عشرة عائلة في الخفاء.

يضم المتحف صورا لكل من أفراد الأمن والمدنيين الذين قتلوا على أيدي الجماعات المتطرفة المختلفة. رابر عزيز / المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩

لم يسيطر تنظيم داعش على بعقوبة مطلقًا، لكن المجموعات المتطرفة وصلت إلى ضواحي المدينة تمامًا كما فعلوا في بغداد قبل أن توقفهم القوات العراقية في عام ٢٠١٤. العديد من الأشخاص الذين فروا من مناطق أخرى من العراق نزحوا واستقروا في محافظة ديالى.

اظهر مبنى الكنيسة الاضرار الطبيعية التي لحقت به بسبب الإهمال الذي استمر ١٥ عامًا. رفل عبد اللطيف / المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩

بدأت قصة آسيا مع العمل التطوعي وجهود بناء السلام من خلال مشروعها الصغير للحرف اليدوية الذي بدأت به بعد الانتهاء من دراستها في عام ٢٠١٥. اصبحت آسيا معروفة لدى المنظمة الدولية للهجرة من خلال بيع منتجاتها عبر الإنترنت على وسائل التواصل الاجتماعي، فقامت المنظمة بتوظيفها كمدربة في مجال الحرف اليدوية لتدريب أفراد المجتمع النازحين والمضيفين في المركز المجتمعي للمنظمة الدولية للهجرة في بعقوبة كجزء من أنشطة التماسك الاجتماعي وبناء السلام في محافظة ديالى ، بتمويل من وزارة الشؤون الخارجية والتجارة الأسترالية.

آسيا خلال إجراء مناقشة مجتمعية في بعقوبة. رابر عزيز / المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩

وشاركت آسيا أيضا المنظمة الدولية للهجرة في عملية التدريب على بناء السلام والعمل التطوعي. حيث بدأت بمجموعة تطوعية متكونة من عشرة نساء في ٢٠١٨، أطلقن على أنفسهن نساء حالمات، للعمل في أنشطة الإغاثة للنازحين والأطفال اليتامى مع التركيز لاحقًا على حقوق المرأة وشؤونها وحملات التوعية وأنشطة بناء السلام في ديالى.

مجموعة النساء الحالمات المتطوعات ينظمن تدريبًا علي سياقة المركبات للمرأة في بعقوبة.

" على الرغم من أن المجموعة كلها نساء، لكن هذا لا يعني استبعاد الرجال عن الأنشطة المجتمعية وانما فقط لنوصل رسالتنا بأننا لسنا ضعفاء، وليس من الضرورة أن نكون رجالاً للقيام بهذا العمل أو لتحقيق هدفاً ما. نريد أن نترك بصمة في المجتمع عن العمل الذي نقوم به."

من خلال مناقشة واحدة في المركز المجتمعي للمنظمة الدولية للهجرة في بعقوبة، تساءلت آسيا عن سبب عدم وجود عائلات مسيحية في بعقوبة.

يستضيف المركز المجتمعي العديد من المناقشات والدورات التدريبية وورش العمل حول الأنشطة المجتمعية التي تساهم في عملية بناء السلام. رفل عبد اللطيف / المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩

" بما أن المسيحيون متواجدون في مناطق كثيرة من العراق، فقد تساءلت عن سبب عدم وجودهم في بعقوبة. فقيل لي إنه كان هناك عدد قليل منهم، لكنهم كانوا مهمشين وخائفين بسبب العنف الذي تعرضوا له في بعقوبة، وعلى ما يبدو لا أحد يعرف الكثير عنهم، ولكن بالتاكيد كانت هناك كنيسة في المنطقة".

ذهبت آسيا لرؤية الكنيسة ولكنها اكتشفت بأنها أغلقت منذ عام ٢٠٠٦، فعادت إلى المركز المجتمعي وفي بالها فكرة من شأنها أن تسهم في إعادة بناء الثقة والعلاقات بين المجتمع المسيحي وبقية المدينة: لإعادة تأهيل وفتح الكنيسة.

"كنت على يقين بأن هذه المبادرة ستسعد العائلات المسيحية للغاية. فقد تلقت فكرتي ترحيبا من قِبل مجلس المجتمع المسيحي في بعقوبة، خاصة وأن الشباب المسلمين كان يأتون ويساعدون في إعادة فتح الكنيسة في ديالى، وهي المحافظة التي تعرضت بشدة للعنف الطائفي. وعلاوة على ذلك، كل المتطوعين كانوا من الفتيات".

قامت آسيا بتوظيف فريق العمل الخاص بها من المتطوعات اللاتي حضرن المركز المجتمعي بالإضافة إلى آخرين يعملون مع منظمات غير حكومية مختلفة وزودوهم بالمكانس و ريش الغبار و سطول للماء. كما حصلت آسيا على موافقة الحكومة المحلية والقوات الأمنية لفتح أبواب الكنيسة.

" كل اولئك الذين شاركوا في الحملة كانوا ينتمون إلى مجموعات عرقية ودينية مختلفة في ديالى. لا أريد أن أذكر أي مجموعة من المجموعات بالاسم لأننا جميعًا عراقيون وكلنا بشر في نهاية المطاف. "

بدأت المجموعة بعملية التنظيف في الكنيسة في ١ ديسمبر ٢٠١٨ في الساعة ٦ صباحًا. عملن النساء بهمة رغم كثرة الغبار والتعرق دون أخذ اي استراحة. وبحلول الساعة ١١ مساءً، تم الانتهاء من التنظيف وفتحت أبواب الكنيسة. وفي الأسابيع التالية، قامت المجموعة بدهان واجهة الكنيسة واصلاح شبكات الكهرباء والماء ووضعن لافتات جديدة، وكذلك تم تأثيث قاعة خدمات الكنيسة. عقدت الجالية المسيحية أول جلسة دينية لها منذ عام ٢٠٠٦، في ١ يناير ٢٠١٩.

أعيد فتح الكنيسة في حفل حضره ممثلون عن السلطات المحلية والشرطة والأوقاف المسيحية العراقية.

عندما سمعت العائلات المسيحية أن الكنيسة قد أعيد فتحها، شعروا بسعادة كبيرة. "الآن بامكاننا أن نصلي ونقيم الخدمات في كنيستنا في قلب مجتمعنا بين أفراد العائلة والأصدقاء "، هكذا عبر رافد جميل وهو أحد أفراد الطائفة المسيحية وهو أيضًا حارس الكنيسة عن سعادته.

رافد عند مدخل الكنيسة. رابر عزيز / المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩

وأضاف قائلا، "كان من الصعب علينا أن نعيش هنا ونرى كنيستنا وهي مغورة بالغبار والأوساخ. حيث كانت مغلقة لمدة ١٥ عامًا، ولم يقام فيها أي صلاة أو خدمات. لقد اضطررنا للذهاب إلى بغداد لحضور خدمات الكنيسة ".

أضاء رافد شمعة وصلى في صمت لإظهار الشكر والتقدير للرب. رابر عزيز / المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩

عملت آسيا وجماعتها على إعادة فتح الكنيسة ليس من أجل المال أو غيرها من المكاسب، ولكن فقط من أجل بناء السلام.

"أعتقد أن الله خلق البشر أولا، والأديان جاءت لاحقا. عندما عقدت الخدمة الأولى مرة أخرى في الكنيسة، رأيت البهجة على وجوه العائلات المسيحية. وبالنسبة لي كمسلمة جالسة هنا، أشارك اللحظة والطقوس الدينية التي حُرمت منها هذه الأسر ".

أصبح كل من رافد وآسيا صديقين حميمين منذ إعادة تأهيل الكنيسة. رابر عزيز / المنظمة الدولية للهجرة في العراق، يونيو ٢٠١٩.

Credits:

Written by Raber Aziz with contribution from Rafal Abdullateef/IOM Iraq, June 2019

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a copyright violation, please follow the DMCA section in the Terms of Use.