Loading

طريدات الإرث معاناة سيدات حُرمن من ميراثهن في كفر الجزيرة بالغربية

شيماء عاطف شفيق

شارك في الإعداد ـ حسن الهتهوتي

«قدم الطالب لمحكمة زفتى للأسرة طلب تحقيق وفاة ووراثة المرحوم عبد الراضي عبد الله وإنحصار إرثة فى ورثته المذكورين أعلاه، وقد تحددت لها جلسة للنظر فى الطلب المقدم من الطالب».. لم تتمنى "أم أسماء" في حياتها سوى قراءة هذه الكلمات في إعلان تستلمه من محكمة الأسرة، بناء على طلب من أخيها الأكبر الذي حرمها وإخوتها من الميراث بناء على العرف الجاري في قريتها "كفر الجزيرة" التابعة لمركز زفتي بمحافظة الغربية.

و"أم أسماء" التى رفضت ذِكر اسمها وطلبت فقط ذِكر كنيتها في لقاء مسجل، لم تستطيع حتى الآن الحصول على ميراثها من أبيها الذي توفي منذ أربع سنوات، حيث لم يسمح لهم الاخ الذكر الوحيد أن تتقدم هي أو احدي اخواتها بطلب اعلام وراثة، وتحت ضغط اجتماعي واسرى ارتضت الاخوات الخمس بالوضع الحالي حيث تقول أم اسماء مش هنوقف أخونا في محكمة أبداً

لم يُرزق أخي بأطفال، وقال لنا ستأخذون الأرض بعد وفاتي بهذه الكلمات أوضحت أم أسماء موقف أخيها من إعطاء الميراث لهن، فيقوم الأخير بزراعة الأرض وتوزيع المحصول عليهن بالتساوي، لكن حيازتها وملكيتها تعود إليه، حيث إن "حب امتلاك الأشياء غريزة في أي إنسان" بحسب ابنة الكفر

وتبين أم أسماء سبب رفض أخيها إعلان الوراثة لأن ذلك سيؤدي إلى عمل 6 حيازات للأرض بدلاً من حيازة واحدة، مما يؤدي لحدوث مشاكل عند شراء السماد العضوي للأرض من الجمعية الزراعية، والذي من شأنه أن يعيق توزيع الميراث بين الإخوة والأخوات، مدللة على ما فعله أخو زوجها (سلفها) من حرمان أخته من ميراثها في الأرض الزراعية " لن يأتي سلفي كل فترة ويطلب من جميع حاملي الحيازات أن يحضروا لشراء السماد العضوي من الجمعية الزراعية، لذلك يرفض توزيع الأرض وعمل حيازات

أم أسماء ليست الوحيدة التي تم حُرمانها من امتلاك ميراثها، فطبقاً لدراسة لوزارة العدل صدرت عام 2008 فأن مصر تشهد سنوياً 144 الف قضية نزاع على الميراث، وطبقاً لإحصائية أصدرها المجلس القومي للمرأة وجهاز التعبئة والإحصاء ومؤسسة قضايا المرأة فأن عدد السيدات التي تم حرمانهم من الميراث وتقدمن بدعاوي لاستردادها أمام محكمة الاسرة وصل إلى 250 الف امرأة خلال عامي 2014 و2015

على بُعد حوالي عشر كيلومترات من مركز زفتي، محافظة الغربية، تجد منازل متراصة على أحد جانبي ترعة مُمتدة من فرع رشيد لنهر النيل، النظام القبلي هو المسيطر على التوزيع الجغرافي لمعظم هذه المنازل، فتقنت كل عائلة بجوار بعضها في شوارع بعينها يحفظها أهل القرية عن ظهر قلب، فإن سألت عن شخص ما تجد الرد المُعتاد عائلة الشهينة في الشوارع الواقعة في بداية القرية، والربيعة في نهايتها، أما الحسينة ففي الداخل، اذهب للمنطقة التي تقع فيها عائلة الشخص المُراد واسأل هناك

تجلس السيدة عزة (اسم مُستعار) على حدود البلد في سكينة وهدوء، يبدو على ملامحها الرضا والبشاشة، تسألها عن نظام التوريث في القرية، فتجيب:" بعد وفاة الأب، لا ميراث للأم أو الأخت، وإن اتطلقت أعيش ذليلة في بيت والدي".

وتسترسل السيدة عزة حديثها موضحة أن أخيها قد اهتم بها حينما تعرضت للحرق، وبعدما شُفيت تفاجأت من حديث أهل القرية أنها أخذت حقها من الميراث، مما أثار تعجبها الشديد، وتسألت كيف لهذا المبلغ الصغير جداً (قرشين) بحسب تعبيرها، أن يكن حقها؟، وحينما طالبت بحقها، حدثت بينهما المشاكل، وتعنت أخوها في إعطائها الميراث.

" أخي طيب ومُتعلم، لكن زوجته هي السبب في عدم أخذ ميراثي" بهذه الكلمات عقبت عزة على وضعها مع أخيها مستاءة مما حدث، مضيفة للمحررة: متقلبيش عليا المواجع

وعن أسباب منع إعطاء الميراث للسيدات، توضح ابنة الكفر أن الأمر لا يرتبط بالتعليم وإنما هو مرتبط بالإيمان ومراعاة حدود الله، مدللة أنه يمكن لشخص غير مُتعلم أن يعطى كل ذي حق حقه مخافة الله عز وجل

"هو مش مقصر مع والدتي ولا معايا، لكن عند المطالبة بالميراث يرفض ذلك"، فهو الذي وقف بجوار أخته الأخرى عند شرائها لقطعة أرض، وكذلك عند زواج أولادها، كما أنه سعى لتوظيف أبنائها دون أن يذكر لها أن كل ذلك من ميراثها، لكن عندما تُطالب بحقها سيقول لها " ليس لكي ميراث، فقد أخذتيه كاملاً" بحسب السيدة عزة

في حالة من الشجن والانكسار تستكمل السيدة قصتها مبينة:" لم يرزقني الله بالخلفة، وأعرف جيداً أن الرجال لا تُضمن، لذلك أخشى أن أعادي أخي خاصة وأني أعيش مع والدتي في منزل أبي"، مضيفة أن من تسعى للحصول على حقها في بيت أبيها تكن مخطئة تماماً، فيجب عليها أن تؤسس لنفسها أولاً وتضمن ألا تُهان مع زوجها، متذكرة إحدى أقاربها التي طُلقت بعدما أصبحت جدة.

انطلاقاً من مبدأ "الست مكسورة الجناح" فضلت عزة الصمت، ولم تسمح لزوجها أن يتدخل بينها وبين أخيها، لأنه يظل أخوها مهما فعل، مؤكدة أن حرمان الأنثى من ميراث أبيها موضوع منتشر في قرى مصر بأكملها، مشيرة إلى أن هناك من يعطي للاخت حقها لكن ذلك بنسبة بسيطة وبقدر محدود، بحسب عزة.

أما أم إبراهيم وهي أحدي سيدات القرية فتقول أن العرف في القرية أن الانثى لا ترث، وإنما يكون إرثها هو جهازها، لتتدخل ابنتها قائلة:" أناسوف أخرج من البيت عند زواجي ب300 ألف جنيه, ألا يكفيني ذلك؟".. وعن حرمان الأنثى من ميراثها توضح أم إبراهيم أن أولى للأهل أن يربوا الابن على "الحنية والحب لأخته وكفى"، وذلك ليفتح لها باب أبيها على مصرعيه حالة حدوث خلافات مع زوجها من شأنها أن تؤدي لانفصال أو ما شابه

وتسترسل أم إبراهيم في الحديث:" ليس لدينا أرض ونستأجر أراضي غيرنا لنزرعها، البنت هيكون لها نصيب من ثمن المحصول طالما لم تتزوج، أما عند زواجها يكون حقها هو جهازها الكامل المُكمل فقط".. وبحسب مُستأجرة الأراضي، "متدوريش هنا عشان مش تلاقي بنات تأخذ حقها غير قليل"، فالمُعظم يكتفي بجهاز الأنثى، وإعطائها المواسم فقط على الرغم من امتلاكهم للأراضي والأموال

وتقول سمر – 18 عاماً- إنه في حالة إعطاء الميراث لأنثى فإنها من الممكن أن تأخذ مالاً بدلاً من الأرض الزراعية، كما أنها لا تأخذ المال الكامل الذي يُعادل حقها في الأرض، إنما تأخذ أي مبلغ وخلاص يسكّتها مش حقها بما يرضي الله، وطبعاً لن تعادي أهلها

ويقول أحمد رحيم أحد سكان القرية، أن الحال في القرية تتطور قليلاً عن ذي قبل، حيث أصبح يعترف بحق الأنثى في الميراث في بعض الحالات بسبب ارتفاع مستوى التعليم، ولكن في أغلب هذه الحالات يكون نصيب الأنثى مالا أو الأراضي الأقل جودة، بينما كان الحال في السابق عدم توريث الأنثى من الأصل

وعن أسباب التحايل في إعطاء الأنثى حقها، يضيف أحمد أن جهاز البنت في القرية مُبالغ فيه بشكل كبير، فمن الممكن أن تصل تكاليف الجهاز الواحد على أقل تقدير إلى 300 ألف جنيه، لذلك يرى أهلها أنها قد أخذت حقها، ويبرمج الأب أبنائه الذكور أن الأرض من حقهم وحدهم، خاصة وأن معظم أهل القرية يتجهون للعمل في زراعة القصب وينصرفون عن التعليم، لذلك تكون نسبة المتعلمين في القرية أقل من النصف

ويرى أحمد أن "الكِبر هو الذي يدمر الحقوق، ومن لديه النية لمعرفة حدود الله سيعرفها" مدللاً وجود حالة لأخت أرادت أن تأخذ حقها (5 قراريط زراعية بتكلفة ربع مليون جنيه) من أخيها، ليرد الأخير أنه سيعطيها على القيراط الواحد 15 ألف جنيه إما لا شيء، مما تسبب في حدوث خلافات بينهم

يعقب محمد فؤاد، عمدة القرية، على هذه الظاهرة في الكفر مؤكداً أن نسبة قضايا النزاع على الميراث تمثل حوالي 40% من مُجمل القضايا التي يُوكل بحلها، مؤكدًا أن الأنثى يقع عليها الظلم في الحالات التي ينظرها، فإن كان للأنثى ميراث في أرض مباني تُمنع منها، أو تُعطى أرض زراعية عوضاً عنها، وإن قُدر حقها ب100 ألف جنيه لا تأخذ إلا 40 ألف فقط أو لا ميراث لها، شريطة أن تمضي أولاً على ورقة التنازل عن حقها

ويقول العمدة "حالات الشكاوى نادرة جداً لا تتعدى 1%، أما الذي يعطي الحق كما أُنزل فنسبة قليلة جداً من أهل القرية"، وعن دوره في حل هذه المشكلات، يوضح العمدة أنه يجتهد في أن يُقرب المسافات بين الأخوة ويستعين بالأهل ويجد طريقاً وسطاً بينهم، مدللاً أن هناك حالة كان حق الأنثى (مُقدراً) 90 ألف جنيه، أخوها صمم على إعطائها 30 ألف جنيه، لكن العمدة استطاع إقناعه أن يعطيها 50 ألف جنيه، وما كان منها إلا الموافقة؛ لأنها "مش طايلة" ـ بحسب تعبيره

ويبين العمدة:" البلد تُبالِغ في جهاز البنت، فقد شاهدت قريباً 38 سيارة تحمل جهاز عروس، والذهب يصل 50 ألف جنيه، والناس تنظر لبعضها مما يسبب دين الآباء أو سجنها، لذلك لا يُعطوا الميراث لها ظناً منهم أنها أخذت حقها في تجهيزها"، ويقول محمد هناك أمر آخر يلتزم به الأخ لأخته بعد أبيه وهو المواسم، ففي كفر الجزيرة يلتزم الأهل بإعطاء "المُوسم" وهو ما يُعادل 500 جنيه لابنتهم، حتى لو لم تأخذ حقها في الميراث، وذلك بمعدل 5 مواسم في السنة الواحدة، فهم يرون ذلك صلة رحم على الرغم من حرمانها من ميراثها

يرجع العمدة سبب كل هذا إلى "ثقافة الشعب" مشيراً إلى أن الاخ يقف إلى جانب أخته في الافراح وتزويج ابنائها ليقول لاهل القرية أنه بذلك اعطاها حقها في الميراث.. وحول قانون تجريم حرمان المرأة من ميراثها، يقول العمدة أن تطبيق القانون أهم من القانون نفسه، فمصر مليئة بالقوانين التي لا تُطبق، لإنعدام الرقابة المستمرة، فهناك العديد من الإزالات التي تمت على جانبي الترعة النيلية، وقام الأهالي بالبناء مرة آخرى.

وتشرح الحقوقية انتصار السعيد، رئيس مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، "للدستور" الأسباب التي تمنع المرأة من الميراث؛ إما أن معظم الميراث يكون أراضي زراعية تُترك للأخ الأكبر فقط ولذلك يُمنع توريثها للإناث حتى لا تتفتت، أو الخوف من ذهاب الأرض لعائلة زوج الأخت، أو إتباع "نظام الرضوى" في تقسيم الميراث، حيث إعطاء الإناث مبالغ مالية ضئيلة أو مساحات غير جيدة من الأرض المملوكة، ليتنازلن عن باقي حقوقهن

بحسب السعيد، فأن هناك عائلات تقوم بإعطاء حقوق نسائهن عن طريق التبذير في شراء الجهاز مما ينتج عنه مشكلة أخرى وهي مشكلة المغالاة في التجهيز، مدللة انتحار أحد الآباء في محافظة المنوفية لعجزه شراء الجهاز لبناته الثلاث، وفي بعض الأحياء المصرية تقوم العروس بشراء جهاز آخر لحماتها مماثل لجهازها، أو شراء توكتوك لزوجها.

وتقول السعيد أن أحد برامج المجلس القومي للمرأة لاسترداد ميراث النساء قد وجد تكلفة ميراث نساء 90 عائلة في الصعيد تُقدر بستين مليون جنيه، ولذلك فهي ثروات ضخمة وليست مبالغ عادية

وعن قانون تجريم حرمان الأنثى من ميراثها، تذكر الحقوقية أنه ملائم، لكن العرف السائد أقوى من الشرع والقانون، وتتسأل من تتحمل أن تشتكي أخيها وتكون السبب في سجنه؟، وهنا تتدخل اعتبارات أسرية وعائلية، ولذلك فإن القانون وحده ليس حلاً للمشكلة، نحن بحاجة لعمل دراسات وأبحاث في هذه الأبعاد

من جانبه قال النائب مصطفي أبو اليزيد إنه لم يتلق أي شكاوى من القرية حول قصة الحرمان من الميراث للنساء، مؤكداً انه لا فكرة لديه حول وجود مثل هذه الظاهرة، مضيفًا أن الحرمان من الميراث هو جريمة ضد الشريعة الإسلامية، وأنه سيتواصل مع عمدة القرية وأهلها للتأكد من أزمة الحرمان من الميراث لان هناك قانون يمنع ذلك ويجرمه الآن

وحول النساء اللاتي لا يقيمن الدعاوي بسبب الضغط الأسري والاجتماعي فيقول أبو اليزيد أن هذه النوعية من النساء تفرط في حقهن

وقال أبو اليزيد إن حجة الحيازة الزراعية حجة واهية، لأن الاخ إذا لم يريد تفتيت الحيازة الزراعية فيمكنه على الاقل دفع ثمن الارض لشقيقاته شريطة أن العدل

Created By
dostor dostor
Appreciate

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a Copyright Violation, please follow Section 17 in the Terms of Use.