Loading

صراعات الميراث محكمون عرفيون يتحدثون لـ الدستور

حسن الهتهوتي / شارك في الاعداد : أميرة خالد

صراعات خطيرة تشتعل بين الأشقاء.. «خلافات ومشاجرات ودماء وأشلاء» صور متكررة لمشاهد تكمن داخل بيوت مصرية، تبقى خامدة انتظارًا لوفاة رب الأسرة، فتندلع بحثًا عن مطامع الميراث.. حكايات أزمات الميراث، يُعايشها رجال التحكيم العرفي يوميًا في جهودهم سعيًا لتحقيق العدل بين الأشقاء، ووأد الفتن.. اختاروا بعضها ليرووها لـ«الدستور»، كأبرز ما عايشوه في الجلسات التي حضروها للفصل فيها.

ظل متجر الأب رابحًا بكل المقاييس، فكانت خيراته الوفيرة، كافية لأن يبني الأب منزلاً من 4 طوابق، يحوي كل طابق وحدتين سكنيتين لأسرته، ويُعلمهم، فقد رزقه الله بثمانية أبناء، كان المتجر يوفر نفقاتهم جميعًا لمدة 17 عامًا قبل أن يرحل الأب عن الدنيا، فظل لعامين يتعرض لخسائر كبيرة ـ حسبما أخبرهم الأخ الكبر الذي يُدير المتجر

ربيع سنوسي، رئيس لجنة مصالحات مدينة 15 مايو، كان من بين لجنة المُحكمين العرفيين الذين تولوا مهمة إنهاء الخلاف الذي دار بين الإخوة الثمانية على إثر أزمة خسائر المتجر، ليحصل كل منهم على نصيبه من ميراث أبيهم، وتنتهي الأزمة

يقول «سنوسي» إنه رغم مرور سنوات على هذه الجلسة، وأنهم يحضرون أكثر من 100 جلسة سنويًا، إلا أنها مازالت عالقة في ذهنه، ويتذكر جيدًا حينما اكتشفوا أن من يُدير المتجر هو الأكبر وأفراد من أسرته، وأنه كان يُنفق من أرباحه على أسرته فقط، دون الآخرين من أشقاؤه، وظلت الجلسة في إحدى الليالي، عقب صلاة العشاء، حتى فجر اليوم التالي، وانتهت بالوصول للحقيقة، وإرضاء الأطراف، غير أن شيئًا حدث كان مريبًا، أحد المحكمين معنا كان من محافظة خارج القاهرة، وفجأة وجدته يقول يُخيرني ما بين وجودي في الجلسة، أو وجوده هو، وهُنا قررت الانسحاب منها، وقولت له أنه يجب أن أرحل أنا، لأنه ضيفنا، ويجب أن يكون موجودًا، لكن بعد أن خرجت بالفعل، وجدتهم جميعًا، وهو من بينهم يأتون خلفي لإعادتي للجلسة

الأخ يتفق مع محكم من عائلة زوجته ليستولي على المتجر

يُضيف رئيس لجنة مصالحات 15 مايو، أنه كان من بين القرارات، أنه في حالة بيع المتجر، فإن الأولى بأن يشتريه الأخ الأكبر، وفجأة وافق الأخ الأكبر وقرر الشراء فورًا، رغم أن المبلغ المطلوب وقتها بعد جرد البضائع، كان 800 ألف جنيه، يُسدد نصف المبلغ في وقت الشراء، وهُنا ظهرت لنا حقيقة أموال المتجر، وأين كانت تذهب.. وتساءلنا عن مصدر جلب الأموال المطلوبة، فتردد وأخبرنا أنه سوف يبيع سيارته، فتساءلنا عن مصدر الأموال التي اشترى بها السيارة هي الأخرى!.. كان الأمر واضحًا، لكننا نعتبر في نزاعات الأخوة، أن الأمور قريبة ولها حسابات خاصة، كما أننا نسير دائمًا على قاعدة أن (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، وانتهت المشكلة، رغم أننا اكتشفنا مفاجأة أخرى، أن المحكم الذي حاول إبعادي عن الجلسة وقتها، عديل شقيق زوجة الأخ الأكبر، ولو كنا عرفنا هذا منذ البداية، لما كنا سمحنا بوجوده ضمن لجنة التحكيم، حيث أنه إذا وجدت أي مصلحة بين محكم وأحد الأطراف، فإن ذلك يجعلنا نختصم هذا المُحكم

جن جنون الأب من مطلب زوجة ابنه الراحل، فلم يمر الكثير على وفاة ابنه الذي رحل عن الدنيا قبل أن يرى طفلته الأولى التي كانت في أحشاء زوجته، حتى سارعت الزوجة لتأمين نفسها وطفلتها المستقبلية، مطالبة والد زوجها بالميراث!.. حدثت الواقعة في إحدى قرى محافظة أسيوط ـ كما يرويها الكيميائي محمود سلامة، عمدة تل أولاد سراج بمركز الفتح، ومُحكم عُرفي في لجنة المصالحات

العمدة «سلامة» يروي أنها من أكثر المشاكل المحيرة التي قابلها، ولم يُكتب لها الحل حتى الآن (وقت الإدلاء بالتصريح) مستعيدًا تفاصيل الواقعة منذ بدايتها، قائلاً: توفى الابن بعد زواجه، وكانت الزوجة حامل في طفلة، وسارعت الزوجة في طلب ميراث زوجها الراحل من أبيه، فلم يحتمل الأب كلمات أرملة ابنه، واعترض عليها، فحسب العادات هُنا، من العيب أن ترثه وهو على قيد الحياة، فعندما يُطالبون بذلك في حياته، كأنهم يقولون له أنه مات

انتفض الأب ـ بحسب المُحكم العرفي ـ ولم يجد وسيلة للرد بها على ما اعتبره تجاوزًا من أرملة ابنه، غير أن يكتب عقد بيع وشراء باسم نجله الآخر، كتب له جميع أراضيه ومنزلين يملكهما، متجاهلاً حق الابن الذي توفى، وشقيقاته الفتيات الثلاثة، وبعد فترة، توفي الأب، وأنجبت أرملة الابن طفلتها

الميراث النقدي البديل المتاح لميراث المرأة في الصعيد

اشتعلت الأزمة بعد وفاة الأب، وقررت أرملة الابن الراحل، البحث عن حق ابنتها، عن طريق القضاء، وهو ما أثار غضب أسرة زوجها الراجل، مما استدعى تدخل رجال التحكيم العرفي في محاولة لحل الخلاف.. «هم أشخاص جيدين، غير أن الابن الذي كُتب له الميراث، يعي جيدًا أن لشقيقه المتوفي حق في هذا الإرث، ليذهب لابنته الرضيعة، غير أنه يخشى أن تبيعه أرملة شقيقه لأغراب، وهو ما ترفضه عادات أهل القرية، بأن تذهب أراضيهم لآخرين.. ومازالت الأزمة قائمة.. لكن، سنعمل على حلها» ـ يقولها العمدة سلامة، مضيفًا نحاول تطبيق الشرع قدر الإمكان، ولكن هناك كثيرون يتجهون لأن يكون حق المرأة في الميراث حق نقدي وليس عيني

باحث: القبائل البدوية سبقت الأمم المتحدة في إقرار حق المرأة

بينما كانت الأمور تسير نحو إقرار حقوقها في المجتمع، وفي وقت تُصارع منظمة الأمم المتحدة، وتبذل قصارى جهدها سعيًا نحو إنصاف حواء، إلا أن أبناء القبائل السيناوية، سبقوها تلك الجهود، ورسخوا الحقوق بالقوانين الداخلية للمجتمع البدوي

الشيخ محمد الأحمر، الباحث في شئون القبائل بسيناء، قال لـ«الدستور» إن أبناء القبائل لا يلجئون للتحكيم العُرفي في الشأن الخاص بالإرث، وهذا يعود إلى أن المشاكل المتعلقة بالشأن البدوي في هذا الشأن، تكاد تكون معدومة، موضحًا في الوقت ذاته أن المجتمع البدوي يُقدر المرأة أكثر من تقديرها في أي مجتمع آخر

يُضيف الباحث في شئون القبائل، إن مطالبات الأمم المتحدة في شأن حقوق المرأة والطفل، سبقتها فيها القبائل السيناوية، فإعطاء المرأة حقوقها، أمر يسبق إنشاء منظمة الأمم المتحدة ذاتها، مشيرًا إلى أن العُرف البدوي في أمور الإرث يسير حسب الشريعة الإسلامية، حيث أنه «للرجل مثل حظ الأنثيين» ولا تُحرم المرأة من حقها في الميراث إطلاقًا، غير أنه في بعض الأوقات تتنازل المرأة عن إرثها بالبيع لأشقائها

صورة أرشيفية

قبل سنوات، كانت قافلة رجال الخير من المُحكمين العُرفيين تتجه صوب الصعيد.. من القاهرة والجيزة، تحرك محمود أبو ساعد، صلاح القناص، محمد أبو جنيدي، عبد الفتاح أبو العود، علي المليجي، والإعلامي والمحكم العرفي محسن داوود، لحل الأزمة بين أبناء البيت الواحد في أزمة ميراث كانت بينهم

الأزمة كما يرويها الإعلامي محسن داوود لـ«الدستور»: كانت هُناك أزمة بين أسرة في صعيد مصر، مكونة من 3 أشقاء و4 نساء، وكان الميراث عبارة عن قطعة أرض ومنازل، وهُناك في صعيد مصر، من النادر أن يتم توريث النساء في الأراضي، والأكثر نُدرة أن يتم توريثهن في المنازل.

يُتابع «داوود»: من بين الشقيقات، كانت واحدة سبق وأن توفيت قبل وفاة أبيها، وطالب أبناؤها بحقها، وفي مثل هذه الحالة، حينما يتوفى أحد الأبناء بينما يكون أبيه على قيد الحياة، فإن أشقاؤه يحجبون الميراث عن أبناؤه، وكانت هذه مشكلة، قبل أن يصدر قانون الوصية الواجبة، والذي بمقتضاه صار الأحفاد يرثون من جدهم في حالة وفاة أبيهم قبل الجد.

«عقدنا جلسة عُرفية وقتها لحل المشكلة، وجمعنا الأوراق التي تُثبت حق أبناء المرأة المتوفية في الإرث، واكتشفنا وقتها أن أشقاء المتوفية كانوا قد حددوا لها ميراثها بمبلغ ضعيف لا يرتقي لربع ميراثها في الواقع، وحكمنا لهم بحقهم كامل، وأن تحصل النساء الأربعة على نصيبهن في الأراضي والمنازل، وهُنا رفض أشقاؤهن توريثهن في الأراضي والمنازل، فاتجهنا لمديرية أمن هذه المحافظة الصعيدية، وبموجب قانون الوصية الواجبة، تم تمكيننا من تنفيذ الحكم، وحصلن على حقوقهن، وكانت هذه هي المرة الأولى في القرية التي تحصل فيه السيدات على ميراثهن من الأراضي والمنازل» ـ يقولها داوود

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a Copyright Violation, please follow Section 17 in the Terms of Use.