Loading

العمارة 18 في شارع يحمل اسم والده.. ـ«هُنا تربى الشيطان الأكبر»ـ

حسن الهتهوتي

بلوك 9 عقار رقم 18 شارع علي حنفي.. في الحي العاشر بمدينة نصر، كان العُنوان الذي سُجِل في تحقيقات قضية أنصار بيت المقدس المتهم فيها هشام علي عشماوي، أخطر إرهابي في مصر.. العُنوان ذاته الذي أقرت زوجته نسرين حسن سيد، مدرس مساعد بكلية البنات جامعة عين شمس، أنها تقطن به، حينما وقفت أمام المحكمة كأحد الشهود في القضية.

ما هو مصير أسرة عشماوي، وكيف كانت حياتهم هُنا؟ وماذا يعرف عنهم جيرانهم؟!.. أسئلة مُحيرة كانت تشغلنا في طريقنا نحو العُنوان الذي تربى بها "رجل داعش الأول في مصر".. خرائط جوجل حول الشارع تُشير إلى أنه من أصغر الشوارع بالمنطقة، لكن شئ ما استوقفنا أمامه كثيرًا.. كيف سُمي الشارع باسم والده؟.. لا أحد يعرف حتى الآن، وحتى قائد سيارة الحي العاشر العارف بالمنطقة جيدًا لا يعرف هذا الشارع، لكن متجر شهير بالقرب منه قال إنه يعرفه جيدًا، ونزلناهُناك.

منطقة هادئة للغاية.. منازل متفرقة، لا ضوضاء هُنا.. قليلون من يُسيرون في شوارعها نهارًا، فما بالك بها ليلاً؟.. اتخذنا الخرائط دليلنا نحو الشارع، حتى أوقفتنا لافتة صغيرة "شارع علي عشماوي".. الشارع لا يتعدى طوله الـ 100 متر، تأخذ أحد جانبيه مدرسة حكومية، بينما منازل قليلة على الجانب الآخر، فأين البلوك 9، والعمارة 18؟!.

في الثامن من أكتوبر 2018، أعلنت السلطات الليبية، القبض على الإرهابي هشام عشماوي في مدينة درنة

سيدة تعمل بعقار يحمل اسم البلوك 9، كانت تنظر إلينا بشئ من الريبة، اقتربنا منها وكأنها كانت تنتظر سؤالنا، لتُجيب بأنها لا تعرف شيئًا.. مجرد أن نطقنا اسم العمارة، تغيرت ملامحها، وأجابت بالنفي، بل وأن الشارع ربما ليس به عقارات بهذا الرقم، وكانت تُحاول إنهاء الحديث سريعًا، فعاودنا السؤال عن منزل علي عشماوي، أو الدكتورة نسرين، فردت.. "لا أعرف".. تركناها بخطوات، وكانت تتجه إلى الجهة الأخرى تعدو بخطوات كأنها تهرب من المكان.

شخص آخر يجلس أمام عقار قريب من الشارع، كانت إجابته بالقطع أنه لا يعرف شيئًا، وأنه يقطن هنا منذ شهر واحد فقط وليس لديه دراية بأحد أو أرقام العقارات، فدلنا نحو متجر، ثم مكوجي، وكلاهما أنكر معرفته بالعنوان المذكور، وسط نظرات قلق، كانت تحمل إجابة ما، بأن العنوان موجود بالفعل، لكن لا أحد يُريد الحديث عن شئ.

عاودنا السير في الشارع مرة أخرى، تفحصنا العقارات واحد تلو الآخر، دون أن نجد رقم عمارة مُطابق لما أقرت به زوجة "الإرهابي" في التحقيقات، حتى تسرب الشك بأنها ربما أعطت عُنوانًا وهميًا، لكن الشكوك تبددت سريعًا بعدما كانت أول إجابة من "علاء" ـ اسم مستعارـ صاحب عقار، مشيرًا إلى منزل "الدكتور علي عشماوي" كما يعرفه، والذي نُزع منه رقمه (18)، كاشفًا عن سبب تسمية الشارع باسمه، لكونه أول ساكن في هذا الشارع.. "الحي العاشر كان فاضي لحد سنة 2000، وكنت أول بيت تشوفه بعيد جدًا، وكل الشوارع هنا سموها بأسماء أول سكان فيها".

منزل مكون من ثلاثة طوابق غير الطابق الأرضي الذي خصصه صاحبه بالكامل لبناء مسجد، بجواره محلين تجاريين صغيرين، وفي الطابق الأول شقتين، كان يعيش في إحداهما "هشام" بعد زواجه من "نسرين" في العام 2007، وكان عمره آنذاك 29 عامًا، بينما كانت تبلغ من العمر 25 عامًا، بينما يقطن الشقة الثانية والده الذي توفى منذ سنوات ـ حسبما يقول جيرانه.

وفق معلومات موثوقة حصل عليها "الدستور" فإن أسرة "هشام" تضم 5 أشقاء، ولدين وثلاث فتيات، هم "سامح" وتوفى في طفولته، و"حسام"، ولا أحد يعرف مكانه، ويُشير البعض إلى أنه مسافر خارج البلاد، ثم "نيفين"، متزوجة وتقطن بشارع الهرم في الجيزة، و"ريم" و"مها"، متزوجتين أيضًا، وتحملان بطاقات رقم قومي منتهية الصلاحية، ومازالت مسجلة في قواعد بيانات وزارة الداخلية بعنوان أسرتهما في شارع علي عشماوي بمدينة نصر، إضافة إلى والدته ناظرة المدرسة السابقة، والتي خرجت مؤخرًا إلى المعاش.. لا أحد يعرف أين ذهب "أسامة"، لكنه اختفى قبل أن يتحول شقيقه إلى الفكر الإرهابي، وربما يُسافر خارج البلاد.

يؤكد "علاء" أن أسرة الدكتور "علي عشماوي" كانوا أصحاب سُمعة طيبة بين جيرانهم، وكان الرجل كريمًا مع الجميع، ويدلل على ذلك بالمسجد الذي بناه في الطابق الأرضي بالكامل، مؤكدًا أنه رغم ارتفاع أسعار الإيجارات للشقق السكنية في المنطقة، إلا أنه لم يبخل ببناء بيت للعبادة، وكان يُخرج الزكاة، ويذبح المواشي في الأعياد ويوزع لحومها.. "لو كان عايش، مكنش هيخلي هشام يعمل كده"، يقولها جاره واصفًا أخلاق والد "الإرهابي" وأن أسرته لم تقع في مشكلة واحدة مع أحد منذ قطنت المكان ـ حسبما يقول.

لا يعرف "علاء" كثيرًا عن المسجد، سوى خطيب الجمعة "الشيخ أحمد" صاحب اللحية الطويلة، التي تحمل لون الحناء الأحمر، ولم يُشاهده يومًا يتطرق لشئ في السياسة، وكانت خُطبه الدينية عن الدين فقط، لكن أُغلق المسجد عقب حادث الواحات، وحتى والدة "هشام" لم تعد تأتِ إلى المنزل كعادتها، فقد كانوا يُشاهدونها بين الحين والآخر، وهي تُنظف نوافذ المنزل من الأتربة، غير ذلك كانت السيدة وباقي من كُن يقطن المنزل منتقبات، ولا أحد يعرف زوجته ـ حسبما تقول سيدة سبعينية، قضت سنوات طويلة من عمرها بالمنطقة.

يُعاود "علاء" الحديث، عن المسجد مؤكدًا أن مشكلة وحيدة حدثت به قبل سنوات، وكانت هُناك دورس تُعطى في تحفيظ القرآن الكريم به، والمُحفظ يحمل جنسية دول عربية، واُتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال، وتجمهر أولياء أمورهم هُنا، وأتت الشرطة وأنقذت المُحفظ قبل الفتك به.. "هي المشكلة الوحيدة التي حدثت هُنا، لكن لم نُشاهد دروسًا دينية.. ربما كان ذلك يحدث، لكننا لم نُشاهد".

سريعًا، انضم لنا شخص آخر ـ كان قد نفى معرفته بالمنزل في البداية ـ وبرر ذلك بأنه يخشى التورط في شئ، وأن الجميع هُنا يخشون الحديث عن أسرة هشام عشماوي، حتى لا يكونوا محل شُبهات حول علاقته بأسرة الإرهابي "في ناس عندها معلومات، بس بتخاف تقول، فالشرطة تفتكر إن عندهم معلومات تاني، فإما يسكتوا، أو يضطروا يكدبوا".

لا أحد في المنطقة يجد تفسيرًا لعدم استغلال أسرة "عشماوي" للأربع شقق الموجودة بالعقار، في الطابقين الثاني والثالث، في وقت وصلت فيه الإيجارات إلى أكثر من 3 آلاف جنيه، كذلك المحلين التجاريين أسفله، مؤكدين أن المنطقة تُعتبر وجهة جيدة للقادمين من الدول العربية، خاصة اليمن، وأشاروا إلى أحد الأشخاص كان واقفًا معهم، يبحث عن شقة ليستأجرها، لكنه لم يجد.. "ده من اليمن".

اللواء محمد إبراهيم ـ وزير الداخلية الأسبق

"هشام، هو الاسم الأبرز في قائمة إرهابيي تنظيم داعش" متهم ضمن القضية المعروفة باسم "أنصار بيت المقدس" بارتكاب أكثر من 50 عملية إرهابية في البلاد، والقضية ذاتها تحوي شهادة لزوجته "نسرين" تؤكد فيها أنه تم فصله من الخدمة كضابط صاعقة بالقوات المسلحة، في العام 2012، وكانت تقطن معه في وحدة سكنية بعقار والده بشارع علي حنفي، وأنه اعتنق أفكارًا دينية متطرفة، وبداية من أغسطس 2013، اعتاد استضافة صديق له بإحدى الوحدات السكنية العقار ذاته، وقبل يوم من محاولة اغتيال اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية السابق، استضاف شخصين بنفس العقار، ثم أخبرها في اليوم التالي 5 سبتمبر 2013، بأنه مُسافر إلى الأسكندرية، ثم سمعت بعد انصرافه صوت انفجار ضخم، عرفت بعد ذلك أن وزير الداخلية ـ آنذاك ـ تعرض لمحاولة اغتيال.

آثار محاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم

السيدة المُسنة كانت تتحدث لنا بحذر شديد، رغم تأكيدنا على أننا في مهمة صحفية ليس أكثر، دون الكشف عن هويتها، إلا أنها تتحدث عن أسرة "هشام" بنبرة حزينة، مؤكدة أنها لا تُدرك حتى الآن كيف تحول إلى "إرهابي"، مضيفة "كان كويس، بيعدي من قدامي علطول، حتى مبيبصش علينا وإحنا قاعدين، وأهله ناس في حالهم مسمعناش عنهم حاجة وحشة، وأمه كانت ست طيبة بتروح المدرسة اللي شغالة فيها علطول، لحد ما طلعت معاش، قعدت في البيت، بس مبقوش بييجوا هنا".

Created By
Digital Dostor
Appreciate

Report Abuse

If you feel that this video content violates the Adobe Terms of Use, you may report this content by filling out this quick form.

To report a Copyright Violation, please follow Section 17 in the Terms of Use.